أمر ما يحصل في أعماق بحرنا. فقبل موسمها بشهر، ظهرت قناديله، ثم نفقت لتحل مكانها قناديل ملونة «صديقة» تظهر للمرة الأولى هنا، على حدّ ما أكده غطاسون وبحارة في صيدا. فهل هناك أمر نجهله أصاب الأزرق الكبير أم أن السبب ببساطة التغيّر المناخي؟


صيدا ــ خالد الغربي
بكّرت قناديل البحر هذا العام في احتلال الشاطئ اللبناني. لا بل إنها ظهرت على طوله قبل شهر بكامله من موعدها السنوي المعتاد. لكنها، سرعان ما اختفت بعد أسابيع معدودة على ظهورها المبكر، ما زاد الغموض بشأن سبب هذه الظاهرة المستجدة التي لاحظها العديد من الصيادين والسابحين والغطاسين.
بداية، اعتقد البحارة أن القناديل انكفأت إلى عمق البحر، ليتبيّن لاحقاً للغطاسين أن قعر البحر مليء بالقناديل النافقة وبكميات كبيرة. «ذهلت لوجود مئات القناديل وقد لقيت حتفها على طول مياهنا الإقليمية وبكميات أثارت القلق»، يقول نقيب الغواصين المحترفين محمد السارجي لـ«الأخبار». السارجي التقط صوراً مروعة لأسراب القناديل النافقة، لكنه أشار إلى عدم معرفته «سبب هذا النفوق الجماعي للقناديل»، مع ترجيحه أن يكون السبب ارتفاع درجة حرارة مياه البحر بنحو غير مسبوق. فقد وصلت هذه الحرارة، للمرة الأولى، إلى 31 درجة مئوية. ويقول السارجي إن «اكتشاف موتها برر غيابها المفاجئ هذا العام»، من دون أن يكون حاسماً لجهة سبب تكاثرها المبكر. ودعا السارجي علماء البحر إلى إجراء دراسة سريعة ومعمقة لمعرفة انعكاسات ذلك على التنوع البيولوجي والثروة السمكية، والبيئة البحرية عموماً. في مقابل «موت» القناديل التقليدية قبل موعد رحيلها المفترض عن شاطئنا، لفت حضور أنواع جديدة من قناديل البحر. وقد سجلت عدسة السارجي وغواصين آخرين أنواعاً غير معروفة منها. وواضح من مئات الصور الملتقطة للأنواع الجديدة من القناديل أنها تختلف عن الأنواع المعروفة، لا بحجمها فقط بل بشكلها أيضاً. الجديد في هذه القناديل أنها فاقدة للشعيرات التي تصدر إفرازات حارقة تصيب جسم الإنسان بحروق، وهي ملونة وليست بيضاء كما هو معروف عن فصائل القناديل الموسمية. ولفت السارجي إلى أن «القناديل الجديدة تظهر للمرة الأولى في بحرنا، وغير معروف مصدرها وهويتها، وأسباب وصولها إلى مياهنا، وقد انتشرت بكميات كبيرة لأسابيع عدة في البحر دون أن تهاجم الشاطئ». وتحدث غواصون عن أن النوع الجديد من القناديل بدا مسالماً، فهو إضافة إلى عدم فرزه مواد حارقة، فإن طريقة سباحته لا تبدو عدوانية، إذ يسبح بهدوء وهو ودود تجاه حركة الضوضاء من حوله.
مدير مركز علوم البحار الدكتور غابي خلف أكد في اتصال مع «الأخبار» اختفاء قناديل البحر سريعاً هذا العام قائلاً: «لقد لاحظنا أن فترة وجودها هذا العام لم تطل كثيراً، وأن هذا الاختفاء السريع مردّه إلى عوامل عدة منها سرعة التيارات المائية وعوامل بيئية لا تصلح للبذرة، ولا تصلح لمساعدة القناديل على التلقيح والتكاثر، فضلاً عن العوامل الغذائية. وكلها عوامل لم تمثّل حاضنة مؤاتية لوجود القناديل لفترة طويلة هذا العام فاختفت سريعاً». وأوضح خلف أن مركزه يجري دراسة علمية متأنية بهدف الوصول إلى تحديد دقيق لاختفاء القناديل سريعاً هذا الموسم».
ليس نفوق القناديل وحده وظهور أنواع أخرى جديدة هما ما يشيران إلى الظواهر المستجدة في بحرنا. فصيادون كثر تحدثوا عن أنواع من أسماك جديدة وغير معروفة، بدأت تحطّ رحالها في بحرنا. فالصياد أيمن ناصر رصد نوعاً من السمك موجود قبالة الشاطئ الصيداوي وفي عمق البحر، لا يشبه أي نوع من الأسماك المتداولة والمعروفة، «سمكة جديدة عبارة عن خليط من أسماك متعددة».
وهذا النوع من السمك الجديد لا يمكن أكله، على حدّ ما أجمع صيادون كثر راحوا يطلقون على النوع الجديد اسم «السمكة البهلولة»، لكونها تلازم من تراه وتسير معه ولا تفر حتى حين تشاهد صياد السمك، على عكس أنواع أخرى. أمور مستجدة ودخيلة على بحرنا دفعت أحد الصيادين إلى تسجيل ملاحظته «منذ خمسين عاماً أعمل في بحرنا هذا، لكن هذه السنة فاجأنا البحر بأشياء كثيرة». وجود أنواع جديدة أمر أكده خلف، عازياً السبب في ذلك «إلى التغيرات المناخية. فقاعدة المعلومات ودراسة العينات البحرية التي يجريها المركز منذ ثلاثين عاماً أشارا إلى ارتفاع درجة حرارة مياه البحر هذا العام من درجة ونصف إلى درجتين مئويتين، وهو أمر أدى إلى تغيير في التنوّع الحيوي ودخول حيوانات ونباتات مهاجرة من البحر الأحمر عبر قناة السويس واستوطنت عندنا بعدما توافرت لها بيئة حاضنة، معدداً أنواعاً من هذه الحيوانات. وهذه البيئة ساعدت على تكاثر كثيف لسمكة النفيخة في بحرنا». ومعروف أن «لحم» سمكة النفيخة لا يؤكل، لكونها تحمل مواد سامة تؤذي من يتناولها، وهي تتكاثر باطّراد في بحر لبنان، وهي سمكة يطلق عليها الصيادون اسم السمكة «المعتدية» لكونها تعتدي على أنواع كثيرة من السمك.
التغيّر المناخي وتأثيراته على البحر إلى أين؟ توجهنا بهذا السؤال إلى الدكتور خلف الذي أجاب بدبلوماسية «لا أحد يمكنه التكهن بالمستقبل، ولا يمكننا التنبّؤ سلفاً بسير الأمور». ويلفت تقرير أطلقته منظمة غرينبيس ـــــ لبنان في تموز الماضي إلى ضرورة إحداث شبكة محميات بحرية في المياه اللبنانية، وتطبيق سياسات سليمة لمصائد الأسماك على طول الساحل اللبناني، حفاظاً على التنوّع البيولوجي المهدد.
وترى المنظمة أن الصيد الجائر هو المشكلة الأكبر التي تواجه بحر لبنان، مع عدم التقليل من مخاطر تغيّر المناخ. وتمثّل «المصلاية»، وفق تقرير المنظمة، ضرراً كبيراً على البيئة البحرية اللبنانية وتسهم في انهيار المخزون السمكي، إذ إنها تترك لمدة شهور في البحر وتسدّ الطريق أمام كل الأسماك المارّة من دون استثناء. كذلك تؤثّر على كمّيات كل فصائل الأسماك، وخصوصاً المفترسة منها وأسماك التونة الصغيرة التي تُصاد بكمّيات كبيرة.



توازن القناديل والسلاحف

يمثّل جبل النفايات في صيدا موئلاً غير طبيعي للسلاحف البحرية. فالسلاحف لا تستطيع التمييز بين الأكياس وقناديل البحر، طعامها المفضّل، ما يؤدي إلى موتها اختناقاً. ومن المعلوم أن هناك توازناً طبيعياً دقيقاً بين السلاحف والقناديل، فإذا كثرت الأولى اختفت الثانية.
وإضافة إلى سلاحف البحر، يتغذى عدد قليل من أنواع الأسماك على القناديل، أشهرها سمكة «نوميوس» ذات اللون المخطط بالأزرق والفضي، التي تقضي معظم وقتها وهي تتغذى على حبال القناديل الحية، مكوّنة لنفسها حصانة ضد سمّها، وفي بعض الأحيان تلصق هذه الحبال على جسمها لتدافع عن نفسها.