نجونا بأعجوبة». هكذا تختصر عائلتا ويزاني وسلوم المشهد. هناك أمام منزل في منطقة الحرج ـــ صبري حمادة اجتمعوا لشرب القهوة، يتحدثون عن الشرفة المتصدّعة فوقهم وما يمكن أن يحدث لو سقطت، لكنها سقطت فعلاً


منهال الأمين
أصرت ميرفت، ابنة شقيق ميشال ويزاني عليه أن ينضم إليها وزوجها لشرب القهوة أمام منزل والد الأخير، أحمد سلوم (خال ميشال) في منطقة الحرج ـــــ صبري حمادة، قرب مسجد الإمام الحسين، القريبة من مخيم صبرا. تمنّع ميشال في البداية بسبب ضيق الوقت، لكنّه عاد واستجاب للدعوة، وبرفقته زوجته سلام عطوي وابناه، علي (3 سنوات) ونبيل (سنة واحدة). «لم أكن قد أكملت رشفتي الأولى حين رأيت حائط «البرندة» فوقي يتحرك من مكانه. الله أكبر، إنه يسقط» يقول ميشال مذهولاً، لافتاً إلى أنّ العناية الإلهية حالت دون وقوع مجزرة بعائلته، فحجارة الحائط المتصدّع هبطت على أرجل الحاضرين لا على رؤوسهم، «وإلاّ لكنّا في خبر كان». يصف الرجل حظه بالخارق نسبة إلى الجراح الطفيفة التي أصيب بها ابنه علي»، شارحاً كيف انتشله من تحت الركام جثة هامدة «ولم يطلق صرخته الأولى إلّا عندما وصلنا إلى المستشفى»، كذلك تمكّن من سحب ابنه الأصغر نبيل، الذي كان مع أمه ساعة وقوع الحادث، من تحت الأحجار والتراب. وفيما ترقد زوجته سلام في مستشفى الساحل بعد إصابتها بكسور عدة في رجليها، خضعت ابنة شقيقه ميرفت لعملية في رجلها، استغرقت أكثر من 6 ساعات، مع جرح بالغ في رأسها تطلّب ما يزيد على عشرين قطبة.
لكن الصورة الصوتية أظهرت نتائج إيجابية طمأنت زوجها محمد سلوم. يؤكد محمد أنّ شرفة جار أهله كانت متصدّعة بوضوح كبير «حتى إنهم لا يجرؤون على استخدامها وهي مقفلة منذ سنين». ويروي كيف أنّ «والدي طالب مراراً صاحب الملك ب. م. بضرورة ترميم الشرفة، ولا سيما أنّ تاريخ إنشاء المبنى يعود إلى سنوات طويلة، ولكن من دون جدوى، بل قال له في المرة الأخيرة: حين يموت أحد اتصلوا بي!». أمّا المستأجر ع. ب. فشدد على ضرورة هدم الشرفة وإعادة بنائها من جديد، لكنّه لم يستجب هو الآخر. ويبدو أن الأمطار التي هطلت بغزارة الأسبوع الماضي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ يقول محمد إن أهله يسكنون هذا المكان مع الجيران منذ أكثر من 30 عاماً، «وكنا نستبعد احتمال حدوث شيء كهذا، لكننا رأيناه بأعيننا».
ويروي عدد من السكان أنّ كثيراً من المنازل المبنية في ذلك الحي هي غير شرعية، إضافةً إلى حاجة معظمها إلى الترميم، وحتى الجديد منها يُشيّد على طريقة «بزّق ولزّق»، بحسب بلال، أحد سكان الحي، الذي يشبّه المنطقة بالرمل العالي، في إشارة إلى الأبنية التي أنشئت بمواصفات فنية غير جيدة، إلّا أن المبنى الذي سقطت منه الشرفة، مبنى شرعي لكنّه بحكم الآيل للسقوط، وحوله عدد من الأبنية وضعها مشابه، كما يقول بلال. وبين صاحب الملك والمستأجرين القدامى، من دون تسويات حتى الساعة، يقف ميشال حائراً لناحية التعويض عليه وتحمّل تكاليف المستشفى، التي يتوقع أن تصل إلى اثني عشر ألف دولار. لا يخفى أنّ المستأجر ع. ب. متعاون معه لجهة التعويض عليه وتحمّل هذه التكاليف.
أما رئيس بلدية الغبيري محمد سعيد الخنسا، فقد «أقرّ بأنّ الحرج، التي تتبع عقارياً لبلدية الغبيري، منطقة لا تتوافر في منازلها شروط السلامة العامة والشخصية»، إذ يعود تشييد معظم تلك المباني إلى 40 سنة تقريباً. يوضح الخنسا أنّ «المباني يجب أن تزال بأكملها ضمن مشروع أليسار للضاحية الجنوبية لبيروت، الذي انطلق منذ اثني عشر عاماً، وهو مجمّد حالياً». يطالب رئيس البلدية الحكومة بتفعيل هذا المشروع لإزالة هذه المنطقة بما فيها من أبنية غير شرعية وتعديات، ومن ثم التعويض على الأهالي والحد من الأضرار التي يمكن أن تنجم عن استمرار الحياة فيها بهذا الشكل المزري. ويرى أنّ الأهالي في المنطقة معلقون بين إنهاء ملفاتهم والتعويض عليهم، وهو ما لم يحدث حتى الآن، والعيش في ظروف سكنية غير لائقة وغير آمنة إطلاقًا، وهم لا يتقدمون أصلاً بأية طلبات لترميم هذه المباني. ويشير إلى أنّ القوى الأمنية هي التي تتولى التحقيق في أسباب الكارثة وخلفياتها التي كانت ستحل بعائلتَي ويزاني وسلوم، وتحديد المسؤوليات.
أحد المسؤولين الحزبيين في المنطقة أكّد لـ«الأخبار» أنّ المنزل الذي انهار جزئياً هو مبنى شرعي، وكذلك البيوت المحيطة به، إلّا أنّها تفتقر إلى الحد الأدنى من مواصفات السلامة والأمان، إضافةً إلى معاناة المنطقة من إهمال كبير في البنى التحتية والخدمات العامة، في الطرقات والكهرباء والمياه والصرف الصحي.