لا يزال ريف عكار يقذف بأبنائه باتجاه الساحل بسبب استمرار تدهور أحوالهم المعيشية. بعض هؤلاء يتحولون إلى أُجراء، وبعضهم ينجح باصطياد الرزق على بسطات تعتمد على الزبون «السائح» محتفظةً بمظهر الفقر


عكار ــ روبير عبد الله
نحو مئة متر بعد جسر عرقة باتجاه بلدة حلبا، تجد علي حسين ديب جالساً في محله، إن جاز وصف الكوخ المؤلف من بضع أخشاب عتيقة وبعض ألواح التوتيا المهترئة بالمحل. اليوم يبيع ديب عرانيس الذرة، ومنذ شهر كان يبيع الفستق، ولاحقاً، لا شك أنه سوف يبدأ ببيع الزيتون مع حلول الموسم. يبدو أن رأسمال ديب لا يتجاوز سعر عشرة شوالات من العرانيس. تسأله عن المردود فيجيب بشيء من اللامبالاة "على الله، أيام عشرة آلاف، وأيام لا نبيع شيئاً». ولكن كيف يمضي نهاره وهو على قارعة الطريق هكذا؟ الجواب دائماً «على الله، أحياناً أنام على هذا الكرسي، وأيام العطل يأتي ابني وأتسلى معه». وتمتد الجلسة مع صاحب البسطة. تمر ابنة الرجل، فإذا بهندامها يلفت النظر لكونه يظهر نوعاً من الأناقة. نبتعد قليلاً عن تفاصيل العمل إلى ظروف الحياة المعيشية للأسرة. فالرجل، وهو في العقد الثالث، يسر لك أنه توقف طوعاً عن الإنجاب بعدما رزق ثلاثة أولاد: بنتان يعلّمهما في مدرسة منيارة الرسمية، والصبي يتخصص في الفندقية في مهنية حلبا. ثم يسترسل في الكلام عن تطلعاته وآماله، ما يُستشف منه أن العشرة آلاف ليرة التي تحدث عنها لا تعادل المصروف اليومي لابنه وابنتيه. وبعد أن يمتد حبل الثقة معه، يبدأ الكلام الجدي عن آلية عمله.
علي ديب يبيع فعلياً أكثر من محال الخضر الكبيرة. لكنه يعرض صنفاً واحداً أو اثنين من الأصناف الرائجة بحسب الموسم. يشتري بضاعته مباشرةً من الحقل. وهو على دراية كبيرة بأسلوب تخمين سعر البضاعة. إذ على سبيل المثال، يقدّر حقل الذرة من خلال عدّ الخطوط ومن ثم متوسط عدد الشتلات داخل الخط الواحد، وأخيراً عدد العرانيس الجيدة في كل شتلة. بالجملة لا يتجاوز سعر «العرنوس» الواحد المئة ليرة. وبالمفرق العلبة (خمسة عرانيس) بألفي ليرة، ما يعني أنّ الأرباح أربعمئة بالمئة. وإذا كان معدل المبيع 300 عرنوس في اليوم بحسب قوله فإن ربحه اليومي 120 ألف ليرة.

إذا كان معدل المبيع 300 عرنوس في اليوم بحسب قوله فإن ربحه اليومي 120 ألف ليرة
وعندما تعبّر له عن الاستغراب وتسأل عن سبب ادّعائه الفقر، يقول: «النق سياج الرزق». وفي معرض إفصاحه عن قدراته و«شطارته» فإنه يضيف إن البسطة المجاورة هي ملكه أيضاً، لكنه يُجلس أخته حارسة عليها، ويعمد بعض الأحيان إلى رفع سعر البضاعة في البسطة التي يجلس فيها، لتتمكن أخته (أي هو) من البيع بسهولة ومن دون مجادلة الزبائن.
بالانتقال إلى بسطة أخته مريم يتبيّن أنها من مدرسة أخيها. تبدأ بالحديث عن الفقر والتعاسة، عارضةً تاريخ حياتها منذ أن انتقلت مع أهلها من مشمش في جرد عكار للعمل في قطاف الزيتون في بلدة القلمون إلى أن حطت بهم الأقدار في عكار. لكن مريم بدورها تفصح بعد طول جدال، وخاصةً أننا آتون من لدن أخيها، عن واقع مغاير لما تظهره تعابير نطقت بها في بداية اللقاء «الواحد تتربط أرجله من كثرة الوقوف طوال النهار، وكل ذلك من أجل عشرة آلاف بالكاد يمكن تحصيلها»، وكأن العشرة آلاف هي المبلغ الذي اتفقت مع أخيها على التصريح به. هكذا، أقرت مريم بأنها تشتري الفستق بالأطنان من سهل البقيعة، وأن آخر مرة اشترت فيها كمية من الفستق كانت بسبعة ملايين ليرة دفعة واحدة. لتبيعه بالمفرق بأفضل الأسعار «للسياح»، وتقصد المصطافين الذين يسلكون طريق حلبا الرئيسية، وخصوصاً يومي السبت والأحد، والمفارقة أن مريم في آخر الأمر ترى أن «أهل الشمال كلهم فقراء لا يمكننا الاعتماد عليهم لتصريف بضائعنا».
علي حسين ديب وأخته مريم ومن بعدهما تركية سلطان، وغيرهم نحو عشر بسطات تنتشر على عشرات الأمتار بعد جسر عرقة، يصعب توصيف أبعاد حالهم الاجتماعية والاقتصادية تماماً كما هي حال آلاف المؤسسات أو المصالح على طول الطريق الممتد بين العبدة وحلبا. جميعهم من أصول فلاحية، تركوا قراهم وأراضيهم لكنهم لم يصبحوا أجراء وفق المسار المعتاد في الانتقال نحو الاقتصاد الرأسمالي، فباتوا أشبه بفئة اجتماعية فاقدة الهوية والانتماء.