خطفت امرأة ولديها وفرّت إلى إسرائيل. لجأ الزوج إلى القضاء ليستنجد به، فحاكم الأخير الزوجة الخاطفة غيابياً بتهمة العمالة. الدعوى لا تزال قائمة، لكن الولدين لم يُستعادا بعد. الدولة عاجزة، أما الوالد فحائر يسأل عمّن يُعيد طفليه


رضوان مرتضى
بدأت القصة عام 2000. يومها، تركت ساحرة س. منزل زوجها أحمد الاختيار في السعودية قاصدة لبنان برفقة طفليهما لزيارة والدتها المريضة. مكثت ساحرة أشهراً عدّة، فألحّ عليها زوجها بالإسراع في العودة إليه. أخبرته أن ثمة أموراً تُريد تسويتها قبل أن تُسافر إليه. مرّت أيّام فاتّصلت ساحرة بزوجها تُخبره بموعد المغادرة، لكنها اختفت في أحد أيام تلك السنة. لم تعاود الاتصال، بل فوجئ أحمد بمجهول يتصل به ويطلب فدية قدرها نصف مليون دولار مقابل الإبقاء على حياة زوجته وطفليه محمد وإسراء. صعقه الخبر، فحضر على وجه السرعة إلى لبنان، لكن الغريب أن اتصال الخاطف المذكور بقي يتيماً ولم يتكرر. قصد أحمد مخفر قوى الأمن للادعاء على مجهول بجرم خطف زوجته وولديه، لكنه لم يعثر على أي أثر لهم. لقد توارت ساحرة س.، ومعها الطفلان، عن الأنظار طوال سنوات. بحث كثيراً إلى أن مرت سنوات ثمانٍ سمع بعدها من أحدهم أن ساحرة قد توجّهت إلى قرى الشريط الحدودي بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان برفقة عميل إسرائيلي يدعى محمد أ. تزوّجته وسجّلت الولدين على اسمه. لم يصدّق أحمد ما سمع، لكنه بدأ البحث عنها جنوباً إلى أن تمكن من الوصول إلى زوجة العميل المذكور التي أكّدت له أن زوجته ساحرة هربت برفقة زوجها محمد. يومها، بدأت المأساة. تأكّد أن كل ما قاساه طوال السنين الثماني الماضية لا يُذكر أمام الخبر الذي سقط عليه كالصاعقة. لا يذكر أحمد من طفليه إلا النزر اليسير. يخبر أن عمر ابنه محمد كان خمس سنوات. أمّا إسراء، فكانت قد بلغت السنتين. يروي الزوج أنه منذ ذلك التاريخ وهو يدور في حلقة مفرغة دون أن ينجح في استرجاع ولدَيه. ويشير إلى أن محمد وإسراء، ووالدتهما أيضاً، لا يزالون مدرجين على سجل القيد العائلي الخاص به، الذي يحمل الرقم 26 (الدورة ـــــ عكار العتيقة). ويلفت إلى أن آخر مرة استخرج فيها أحمد إخراج قيد كانت بتاريخ: 13/11/2009 من مركز نفوس حلبا ـــــ عكار. يكره أحمد أن يُذكر أمامه اسم زوجته، لكنه يغالب انكساره ليعيد رواية الأحداث وفق تسلسلها الذي حفظه عن ظهر قلب من كثرة تكراره.

يبحث الأب عن وسيلة يسترجع بها طفليه من إسرائيل
يلفت أحمد إلى أنه ملّ من إرسال الرسائل إلى الجمعيات الإنسانية. لم يترك باباً إلّا طرقه، لكن من دون جدوى. تمكن أحمد من معرفة الطريق إلى ساحرة عبر أقربائها. حصل على بريدها الإلكتروني ليبدأ التواصل. تحدّث معها محاولاً إقناعها بأن تعيد إليه ولديه، فطلبت مالاً. أرسله إليها، لكنها لم تفِ بوعدها. بقيت تحاول ابتزازه. فكان الاتصال الهاتفي الأخير بينهما هو الذي جرى قبل نحو سنة ونصف سنة عندما كان أحمد في أبيدجان. يذكر أحمد آخر اتصالٍ مع ابنه محمد فيقول: «أخبرني أنه يريد المجيء، لكن زوج والدته يرفض أن يعطيه الإذن». يصمت أحمد ليضيف: «أخبرته بأني سأرسل له المال، وطلبت إليه أن يهرب». يعود لصمته ويكمل بأن محمد لم يحاول الهرب لأنه بحاجة إلى إمضاء زوج ساحرة، فهو لا يزال دون السن القانونية. يشير أحمد إلى أنه حاول الاتصال في ما بعد، لكنهم كانوا قد استبدلوا رقم الهاتف.
رغم السنوات التي مرّت، لا يزال أحمد يبحث اليوم عن وسيلة لاستعادة محمد وإسراء سالمََين، وقد بات أكثر إصراراً على ذلك، وهو يناشد الحكومة اللبنانية وهيئة الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية والصليب الأحمر الدولي السعي إلى استرجاع محمد وإسراء.
من جهة أخرى، يرى متابعون للقضية أنها معقّدة، فالقانون الإسرائيلي يجيز للمرأة احتضان أولادها ما داموا دون السن القانونية، وما دام الولدان لم يبلغا سن الرشد بعد، فإن الوالد لا يستطيع المطالبة بهما ما دامت الأم تعارض تسليمهما إليه. ويلفت المتابعون إلى أن حصول الولدين على الجنسية الإسرائيلية يزيد الأمور تعقيداً، باعتبار أنهما أصبحا مواطنين إسرائيليّين تحميهما دولة إسرائيل. لكن في المقابل، لا يزال الولدان مسجّلين في لبنان على اسم والدهما، الأمر الذي يجيز للوالد أن يتقدم ببلاغ عبر السلطات اللبنانية للمطالبة بهما. تبقى مشكلة تتعلق بعدم حمل الولدين شهرة والدهما الحقيقي في إسرائيل، فهما يحملان شهرة زوج ساحرة، ما يصعّب مهمة حل هذه القضية. في المقابل، يشير أحد المتابعين للملف إلى أن هناك مخرجاً للمسألة العالقة عبر توكيل محام إسرائيلي لرفع دعوى في الداخل الإسرائيلي على الزوجة بتهمة التزوير والتلاعب بأوراق ثبوتية. لكن أحمد يتساءل عمّا يمكن أن يحصل له إن حاول الاتصال بالداخل الإسرائيلي. هل يُقبض عليه بتهمة خرق قانون المقاطعة مع إسرائيل، أم يوقف للاشتباه فيه بالتعامل مع العدو الإسرائيلي. تساؤل محمد وصرخته يقرنهما بنداء يوجهه إلى كل من قد يستطيع مساعدته في فكّ الأسر الجبري عن ولديه.


زوجة عميلة جنّدت شقيقها

أصدر قاضي التحقيق العسكري فادي صوان قراره الاتهامي في حق ساحرة س. وزوجها غير الشرعي محمد أمين، وشقيقها الرقيب أول في قوى الأمن الداخلي هيثم وزوجته راغدة ض. بجرم التجسس لمصلحة العدو الإسرائيلي ودس الدسائس لديه. وقد طالب بإنزال عقوبة تصل في حدها الأقصى إلى الإعدام. ويشار إلى أن جلسات محاكمة ساحرة وشقيقها تجري أمام المحكمة العسكرية برئاسة العميد نزار خليل، ويلفت إلى أنه في الخامس والعشرين من الشهر الجاري هناك جلسة لاستئناف محاكمتهما بجرم التعامل مع العدو. ويذكر أن التحقيقات أظهرت أن ساحرة س. هي التي جندت شقيقها هيثم، وكانت تلتقيه في تركيا.


لقطة

تزوج أحمد بساحرة عام 1989. أنجب منها طفلين، وأقامت العائلة في المملكة العربية السعودية، وكان الزوجان يزوران لبنان بين فترة وأخرى، فيما كانت ساحرة تزور أهلها وحدها من حين إلى آخر. وعام 1998 قررت أن تزور لبنان بحجّة مرض طارئ أصاب والدتها. بعد فترة قصيرة من إقامتها في لبنان، حدّثت ساحرة زوجها عن محالّ تود شراءها في بيروت، طلبت منه إرسال المال إليها، وتسلّمت مبلغ 105 آلاف دولار. أخبرته أنه اشترتها وحددت موعد سفرها لكنها اختفت. تلقّى أحمد الخبر، حزم أمتعته وعاد إلى لبنان. قصد أهلها فأكدوا أنهم لا يعرفون عنها شيئاً. بحث كثيراً ولما وصل إلى الحقيقة، تقدم بدعوى قضائية بحقها، بجرم الاحتيال والسرقة والخيانة الزوجية لدى النيابة العامة في بعبدا، وكذلك لدى المحكمة الشرعية في بيروت.