نادين كنعان

أربعون دقيقة قيادة تفصل منزلي في صيدا عن مقرّ عملي في الحمرا. رحلتي اليومية على أوتوستراد صيدا – بيروت، يتخللها الكثير من حرق الأعصاب. يبدأ الفيلم عند الاقتراب من منطقة الجيّة وترصّد «الجيب» الأبيض المتوقف إلى جانب الطريق للسائقين، فالساعة تقارب العاشرة صباحاً وقد تعوّدنا أن تضع قوى الأمن الداخلي الرادار كل يوم في هذا الوقت تقريباً، خصوصاً مع حلول آخر الشهر. أخفّف السرعة إلى الثمانين كيلومتراً بالساعة، وعندما أتأكد من اجتيازي منطقة تمركز الرادار، أعاود القيادة بسرعة تتعدّى المئة بقليل. أما إذا وجد رجال قوى الأمن متأهبين لالتقاط أي مخالفة سرعة، وأنا شاردة مع صوت فيروز، تأتي «غمزات» أضواء السيارات المتجهة جنوباً على الجهة


لم لا تضيء الدولة الحريصة علينا الأوتوستراد؟
المقابلة من الخط السريع، وأيادي السائقين الملوّحة، لتنبهني إلى ضرورة تخفيف السرعة. فعلاً، لقد جعلنا القانون ورجاله ثلة من المتآمرين. في طريق العودة، يزداد التشويق، فمع انقضاء ساعة المغيب، يغطس الأوتوستراد في ظلام حالك، ما عدا منطقة الجية بالقرب من محطة الكهرباء. إذا كانت الرادارات تلتقط السرعة لتجبر المواطن على الالتزام بقواعد السلامة العامة، وتسديد مبلغ ما «عطريقه» وإذا كانت الدولة حريصة علينا فعلاً، فلم لا تضيء الأوتوستراد ليلاً؟!
في ذلك الظلام الدامس، تبهر السائق باتجاه الجنوب أضواء عالية يشغّلها السائقون المتجهون إلى بيروت غير عابئين، فضلاً عن «استعراضات الجغيلة» وإشارات «انتبه اشغال» و«نأسف لإزعاجكم»، التي تذكرك فجأة بأن المشقات التي تحمّلتها طيلة أشهر أقفلوا خلالها الأوتوستراد لتأهيله لم تنته بعد. أما في الشتاء، فتكون المصيبة أكبر، مع غزارة مياه قد يغطي ارتفاع منسوبها دواليب السيارات. إذاً، تُختَصر الوصفة المثالية للبناني «الحربوق» الذي يودّ زيارة العاصمة أو الجنوب، بما عليه أن يتسلّح به من: قليل من دقة الملاحظة تضاف إلى كمية كبيرة من صبر أيّوب، مع قدرة بصرية خارقة لا تقل عن تلك التي يتمتع بها نسر.