حالما طلبت مديرية قوى الأمن الداخلي إناثاً برتبة دركي

تراكمت طلبات التوظيف. وفيما يقتصر المستوى التعليمي المطلوب على الشهادة الابتدائية، بدت حصة الجامعيات المتقدمات «حرزانة»

مايا أبو صليبي خشان
ما الذي يدفع الشابات إلى التقدم إلى وظيفة أمنية لطالما ارتبطت في الذهنية السائدة في بلادنا بالذكور، وخصوصاً إذا كنّ جامعيات، علماً أن شروط الوظيفة تقتصر على النجاح في الصف الخامس الابتدائي؟ هل هو ضيق فرص العمل في البلد؟ حب الانتماء إلى الدولة هوية وكياناً؟ أم هي الرغبة في تأمين المستقبل المجهول؟ أسئلة حاولت «الأخبار» الرّد عليها من خلال مقابلة بعض المتقدمات لوظيفة «دركي متمرن في قوى الأمن الداخلي»، واللواتي آثرن استخدام أسماء مستعارة. «قلة فرص العمل هي السبب الأول».
تقول إليان، التي تخرّجت منذ ثلاث سنوات من كلية إدارة الأعمال، وتتابع الدراسات العليا في إحدى الجامعات الخاصة. تقدمت إليان بطلب الالتحاق «رغم إدراكي أن المستوى العلمي المطلوب أدنى بمراحل من مستواي، لكن قلت لعلّني أوفق هذه المرة بعدما تقدمت إلى جميع الدورات السابقة من أمن عام وجمارك ولم أفلح، رغم أنني كنت قد اجتزت الامتحان الخطي بنجاح في دورة الأمن العام الأخيرة، لكنني لا أعرف لماذا لم أكن في لائحة الناجحات بعد الامتحان الشفهي، الذي كان سهلاً جداً». تلمّح الشابة إلى الكلمة السحرية في لبنان: «الواسطة»، آملة ألّا تتدخل هذه المرة كثيراً في التعيينات، علماً أن «المتقدمات بالآلاف»، كما تضيف. هاجس تأمين مستقبل مهني ثابت هو ما يشغل إليان. فمنذ تخرّجها، تشتّتت الفتاة «بين عدد من المؤسسات البعيدة عن اختصاصي الأصلي، التي عملت فيها بأدنى الرواتب».
تعترف أيضاً بهاجس مادي، إذ «أخبروني أنّ الفتيات يُطلبن للوظائف الإدارية وبدوام معتدل نسبة للدوامات التي لا تنتهي في الشركات الخاصة ومن دون مقابل حرزان، كما عرفت أنّ راتب الدركي الجديد يصل إلى تسعمئة ألف ليرة، وهو مبلغ لم يصل يوماً إلى يدي، منذ أن بدأت العمل بـ250 دولاراً وصولاً إلى400 دولار كأقصى حد». أضف إلى ذلك أن إليان، لو نجحت في الدخول إلى الوظيفة «فلن أبقى بالرتبة المطلوبة طوال عمري، إذ إنّ شهاداتي الجامعية ستسمح لي بالترقي إلى رتبة ضابط».
الوصول الى أعلى الرتب هو أيضاً الدافع وراء تقدّم سارا، متخرجة الاقتصاد من إحدى الجامعات الخاصة، للدورة. فرغم حيازتها إجازة جامعية، إلا أنها حُرمَت التقدم لدورة الضباط لأن معدلها في الشهادة الثانوية لم يكن 12، وهو المعدل المطلوب لامتحانات الضباط. هكذا، يكون نجاحها في هذه الدورة التي قد لا تتكرر قبل سنوات، مدخلاً لها لتحقيق حلمها والوصول إلى رتبة ضابط ذات يوم، من خلال الدورات والامتحانات التي يمكن أن تخضع لها من داخل السلك. وماذا عن شرط الامتناع عن الزواج خلال السنوات الثلاث الأولى من الانتساب للسلك؟ لا مشكلة لدى ابنة الـ25 عاماً في التضحية «لأنّ فرصة الزواج قد تؤجل، أما فرصة تأمين مستقبل أفضل لذلك الزواج، فقد لا تعوض. وخصوصاً أن دوام الوظيفة المطروحة يتناسب مع الدوام المدرسي للأولاد في ما بعد، فضلاً عن التأمين الصحي الذي يمكنني تأمينه لهم، وهذا مهم جداً في عصر «شحادة» الاستشفاء في بلدنا اليوم. كل ذلك إضافةً إلى الراتب، الذي لن يبدأ بـ 500 و600 ألف ليرة «مع تربيح ألف جميلة» ومن دون ضمان صحي، كما في الوظائف الأخرى!».
يراود الأمل بالنجاح ماريبيل أيضاً، الطالبة في السنة الثالثة في اختصاص المحاسبة، تعلق أملاً كبيراً على هذه الدورة، وتنتظر امتحاناتها بفارغ الصبر، لسبب معنوي هذه المرة، فهي «مغرمة بالبذلة العسكرية، وأحلم منذ صغري بارتدائها. وبما أنني لم أحصل على معدل 12 في الشهادة الثانوية، وهو المطلوب في دورات الضباط القليلة الخاصة بالفتيات، رأيت في هذه الدورة باباً أطرقه في سبيل تحقيق حلمي، لعلّه يفتح أمامي قريباً».


أصبحت وظيفة دركي مغرية في ظل قلّة فرص العمل

تعبّر ماريبيل عن تفاؤلها، رغم الأحاديث الشائعة عن «الوسايط»، كما أنها لا تمانع الانخراط في أجواء يسيطر عليها العنصر الذكوري، بل بالعكس، ترى ذلك بمثابة انفتاح ضروري «تأخّر في الوصول إلى بلدنا»، مؤكّدة أن انضمامها إلى الدرك لن يمنعها من متابعة دراستها ومن الحصول على شهادتها الجامعية التي لن تبقيها مكانها بل ستكون جواز عبورها الى مراكز أخرى أهمّ.
من جهتها، ميراي، طالبة سنة رابعة تغذية، ترى بعد تردد كبير، أنّ مصلحتها الحياتية عامة تكمن في خوض امتحانات الدورة الحالية، وذلك «لحجز مستقبل مضمون في ظلّ ندرة فرص العمل التي، إن وُجدَت، تكون براتب بخس ومن دون أية ضمانات. فها هي شقيقتي، حاملة إجازة المحاماة، تعلّق شهادتها على الحائط وتساعد والدتي في الأعمال المنزلية بعدما باءت كل محاولاتها بإيجاد عمل يليق بشهادتها وبشخصها كإنسانة بالفشل» كما تقول، متسائلة «أين لي أن أجد عند تخرجي عملاً بـ 500 دولار كحد أدنى، مع ضمان صحي؟ أو من أين لي أن أؤسس عملاً خاصاً بي يعود عليّ براتب شهري محترم ويؤمّن لي الحد الأدنى من حاجاتي الى جانب دفع الإيجار والفواتير؟» انطلاقاً من هنا، تصبح وظيفة الدرك و«التمتع بمغريات الوظيفة المضمونة من دوام وضمان وراتب» هي الحل الأمثل، على أمل ألا يظلّ الفشل في إيجاد فرصة عمل هو العامل الأساسي في تحديد مصير جامعيات، آثرن الدخول إلى السّلك الأمني على الهجرة هذه
المرة.


التجربة في الجيش نموذج واعد

تكمن أهمية دورة قوى الأمن الداخلي الحالية في أنها الأولى التي تطلب فتيات بمستوى علمي أقل من الثانوي، ما أفسح المجال أمام عدد كبير من المترشحات الصغيرات في السن، وخاصةً من يعش منهن في المناطق الجبلية البعيدة عن مراكز العمل، للتقدم. فهن يدركن إيجابيات العمل في السلك الأمني من صديقات لهن دخلن الجيش فأُلحقن بمراكز إدارية محيطة بأماكن سكنهن، كما حظين بدوام عمل ممتاز وبراتب جيد.