يمثل «الكورنيش» البحري في بيروت متنفساً لأهالي العاصمة والضواحي. يقصدونه لممارسة الرياضة وإراحة أعصابهم، لكن سلوكيات بعض المخالفين تجعل البعض يفضّل عدم التوجه إلى هناك، في ظل شكوى القوى الأمنية من نقص العديد اللازم لضبط الأمن كما يجب


محمد نزال
كثيرة هي الأشياء التي تغيّرها الحروب، في البشر والحجر، فلا يبقى منها إلا الذكرى، لكن هذا البحر بقي كما هو، يغيّر ولا يتغيّر. كلمات يقولها حبيب ذو الأربعين عاماً، نافثاً دخان سيجارته ومشيحاً بنظره نحو البحر في منطقة عين المريسة. يتذكر حبيب كيف ظل هذا «الكورنيش» متنفساً للبنانيين أيام الحرب الأهلية، فكان البعض يأتي ليشمّ هواءً لا يحمل رائحة القتل، والبعض الآخر كان يأتي ربما ليغسل في البحر بعض ما اقترفت يداه.
اليوم، يمكن اعتبار حبيب أحد مدمني الحضور عند «الكورنيش» البحري لبيروت، الممتد من عين المريسة والمنارة، مروراً بالروشة، ووصولاً إلى الرملة البيضاء. يأتي كل ليلة ويمارس هواية المشي والتأمل، لكنه يشكو من التفلت الحاصل، بحيث «أصبحت أعصابي تتعب على البحر أكثر مما لو بقيت في المنزل». جالت «الأخبار» على الخط البحري المذكور، وسجّلت العديد من الملاحظات. تبيّن أن لكل منطقة «مخالفاتها»، ففي عين المريسة – المنارة، تكثر الدراجات النارية التي تسير بين الناس مع الحركات البهلوانية التي يؤديها أصحابها، وكذلك النراجيل المنتشرة في كل مكان مع الفحم المتناثر. أحياناً لا يستطيع الواقف جنبك أن يسمع كلامك، بسبب صوت الأغاني، البدوية بأغلبها، التي تصدر عن السيارات المتوقفة إلى جانب الرصيف. تجد بائع قهوة متجولاً يركض بسرعة، تسأله ما السبب، يجيبك مختصراً «إجت الدورية، اتركني بحالي مبارح بعدني آكل ضبط». ولأن الشبّان يفضلون عين المريسة على الروشة والرملة البيضاء لقضاء السهرة، يندر أن تمر ليلة من دون حصول تضارب بالأيدي والعصي لأسباب مختلفة.
أما منطقة الروشة، فتبدو أكثر هدوءاً، ربما لأن غالبية زوارها من العائلات و«العشاق»، إضافة إلى السياح الذين تجذبهم الصخرة لرؤيتها. لكن بعيداً عن الكورنيش، وتحديداً عند الطريق الترابية المحاذية للبحر، يؤكد كثير من الروّاد أن أعمال الدعارة «السريعة» تمارس هناك، حيث تلعب بعض الشجيرات الصغيرة دور المغطّي والمسهّل. أما منطقة الرملة البيضاء، فيبدو للناظر إليها من بعيد أن ثمة أمراً مريباً يحصل هناك، ضوء خافت، شبّان يتحركون بين الرصيف والشاطئ. وبحسب بعض روّاد المنطقة، فإنها تُعدّ المكان البحري المثالي لتبادل المخدرات، إضافة إلى عمليات السرقة والنشل، لكن، في المناطق الثلاث، فإن ثمة كلمة، التلفظ بها إشارة إلى فض أي تجمّع مخالف... «تحرّي».
من جهة ثانية، يؤكد قائد سرية بيروت الأولى، العقيد جوزف كلّاس، أن القوى الأمنية تعمل جاهدة على مكافحة الدراجات النارية التي تسير على الرصيف البحري، لكن «المشكلة أن هؤلاء ما إن يلمحوا الدورية قد اقتربت منهم، حتى يفرّوا إلى الجانب الآخر من الطريق ويغادروا، وبعد مغادرة الدورية يعودون، وهكذا»، لافتاً إلى أن الحل الوحيد لهذه المشكلة، يتمثل بتسيير


القوى الأمنية تعمل جاهدة على مكافحة الدراجات النارية التي تسير على الرصيف البحري


دوريات راجلة على «الكورنيش»، لكن ما يحول دون وجود هذه الدوريات هو «النقص في عديد رجال الأمن». هكذا، يعرف الأمنيون الحلول النظرية لكل المشاكل، لكنهم غالباً ما يعزون سبب عدم التطبيق إلى «النقص في العديد»، وهذه مشكلة برسم قيادة قوى الأمن والدولة برمّتها. ويلفت العقيد كلّاس في حديث مع «الأخبار» إلى دور البلدية الذي «يلقى القيام به على عاتقنا، وهذا ما يزيد في استنزاف الطاقات البشرية لدينا، فمخالفات النراجيل والكراسي والقفز إلى البحر يفترض أن يتكفل بها رجال البلدية». أيضاً، أشار كلّاس إلى أن مخفر حبيش يمتلئ يومياً بعشرات النراجيل التي تُرفع عن الرصيف، ورجال قوى الأمن يصطدمون مع قاصدي الكورنيش لهذه الأسباب وغيرها، لكن نكتشف أن بعض العائلات لا علم لديها أن هذه مخالفة إدارية ممنوعة بأمر من البلدية، ولذلك «طالبنا البلدية أكثر من مرة بوضع لافتات كافية لتعريف الناس بما هو ممنوع». ختم كلّاس بالإشارة إلى أن الغرامات المالية للمخالفين على «الكورنيش» تتراوح بين 20ألف ليرة لبنانية و 50 ألفاً، ولكن «لا تعود أي نسبة منها للقوى الأمنية، بل يعود جزء من مردودها إلى صندوق تعاضد القضاة».
من جهة ثانية، يؤكّد رئيس بلدية بيروت، بلال حمد، أن البلدية قد وضعت على الخط البحري لافتات تحدد ما هو ممنوع، لكن «للأسف فإن شباب الكورنيش حطموا بعضها». أما عن الباعة المتجولين، فقد قال حمد إنه لا وجود لهؤلاء لأن البلدية لا تمنحهم رخصاً، ولكن عندما أخبرته «الأخبار» عن واحد من هؤلاء يجول بعربة كبيرة، أشار إلى أن هذا «لديه رخصة من المحافظ». يختم حمد واعداً بإيلاء المنطقة، التي يقول إنه يزورها دائماً ويمشي بين الناس، أهمية أكثر لأن هذا الخط البحري «يمثل الواجهة للعاصمة بيروت».


لقطة

بسهولة، يمكن ملاحظة زحمة السير التي يسبّبها أصحاب بعض المحالّ التجارية على الكورنيش البحري في بيروت. يندر أن تكون الطريق سالكة في ليلة من الليالي، إذ يركن الزبائن سياراتهم وسط الطريق بانتظار أن يصل إلى كلّ منهم فنجان القهوة وسواه من الطلبات. مسؤول أمني أكّد لـ«الأخبار» أن رجال الأمن يعملون على معالجة هذه المشكلة، نافياً التهم التي يوجّهها البعض لناحية وجود رشى. غير أن بعض باعة القهوة المتجولين يشيرون إلى أن بعض رجال «التحري» وشرطة السير يسكتون على هذه المخالفات مقابل رشى مالية، وأحياناً تكون الرشوة عبارة عن «غداء أو عشاء من هذه المطاعم، وأحياناً يُكتفى بتقديم القهوة أو السحلب».


باعة وصيادون ومتنزهون... ومتسولون

ظلّ شكل الكورنيش البحري سنين طويلة على حاله، دون تحديث أو ترميم، إلى أن شهد قبل سنوات ورشة ضخمة. تبدّل الحاجز الحديدي القديم، ذو اللون الأزرق، الذي يفصل بين البحر والرصيف، بحاجز جديد لونه فضّي. كما غُرست على طول الخط أشجار النخيل الطويلة، ووُضعت مصابيع كهربائية، مما أضفى على المنطقة منظراً فيه الكثير من الحداثة، وخاصةً بعدما رُمم الكثير من المباني التي كانت تحافظ على شكلها التراثي، ولم يبقَ منها إلا القليل. ويعدّ الكورنيش مكاناً مثالياً لصيادي الأسماك، حيث يرمون بصنّاراتهم إلى البحر وهم على الرصيف. أخيراً، تمثّل المقاعد الحجرية على الخط مكاناً لنوم بعض المشردين والباعة، الذين لا يجدون مكاناً آخر للمبيت، فيستيقظون صباحاً على أصوات الزمامير و«قهوة قهوة».