فاتن الحاج

لم يكتف المشاركون في الحلقة الحوارية التي نظمها، أمس، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، كما كان مقرراً، بمناقشة استراتيجية التعليم ما قبل الجامعي التي وضعتها الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية برئاسة المستشار التربوي د. عدنان الأمين عام 2007، بل إنّ العناوين تشعبت لدرجة بدت معها كل مداخلة أشبه باستراتيجبة قائمة في ذاتها.
مع ذلك، بدا بعض هذه العناوين مثيراً للاهتمام، ولا سيما حين تجاوز الأستاذ في الجامعة اللبنانية، د. محمد شيا، القراءة التقنية المتعلقة بربط التعليم بالجودة والتنمية وغيرها من الأدبيات التربوية الدولية، ليركز على مسؤولية النظام التعليمي الحالي في إنتاج النظام السياسي الطائفي في لبنان. ودعا شيا إلى إعادة النظر في المسلّمات، ومنها حرية التعليم التي تحولت، كما قال، إلى عامل مقلوب للوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي. وسأل: «كيف نضع استراتيجية تغيّب معطىً أساسياً، هو أنّ التربية الحالية تسهم في تدمير مرتكزات الوطن عبر تدمير التعليم الرسمي ومفاقمة التدينات والتناقضات في التعليم الخاص المجاني وغير المجاني؟».
وافق الأستاذ الجامعي، د. عماد سماحة، على أنّ حرية التعليم كرست الفرز الطائفي والانقسامات بين اللبنانيين، وهي عوامل مانعة لتكافؤ الفرص الدراسية التي تتحدث عنها الاستراتيجية. وأعرب عن اعتقاده بأنّ عدم وصول الاستراتيجيات الوطنية التي وضعت في أعوام 2000 و2003 ـــــ 2004 و2006 و2010 إلى حيز التنفيذ يعكس فشل السياسات الرسمية في اتخاذ قرارات حازمة لمصلحة التعليم الرسمي. وشدد الرجل على أن استراتيجية 2007 مساهمة جدية شوهتها خطة وزارة التربية الأخيرة.
«مسؤولية الدولة تجاه التعليم الخاص وتمويل التعليم»، مفاصل أخرى غابت عن الاستراتيجية، كما قالت د. تيريز الهاشم، مديرة كلية التربية ـــــ الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية. يجب ألا تقتصر هذه المسؤولية، بحسب الهاشم، على الرعاية والوصاية فحسب، بل ينبغي تحديد الخيارات الوطنية للمدارس الخاصة. وفي باب التمويل، سألت: «كم نحن مستعدون للإنفاق على التعليم؟ كم ننفق فعلاً؟ من ينفق على التربية؟ وكيف تتوزع مسؤولية الانفاق بين الدولة والقطاعين العام الخاص؟». وأكدت الهاشم أهمية إعادة النظر في مكونات كلفة التعليم وربط الاستراتيجية برؤية اقتصادية واجتماعية.
وفي السياق، أوضح أمين سر رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي محمد قاسم أنّه كلما ازدادت الخطط، انخفضت موازنة التعليم الرسمي، سائلاً: «هل هناك قرار سياسي بتوفير فرص التعليم المتساوية للبنانيين؟ لماذا الاعتماد على الهبات والقروض والمساعدات، بدلاً من رفع موازنة وزارة التربية؟».
بدوره، انتقد الأستاذ في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية د. حسين بدران كثرة الطباخين في التربية، غامزاً من قناة مستشاري وزير التربية، داعياً إلى تسليم وضع أسس النظام التربوي لتربويين مشهود لهم بالكفاءة.
أما د. عدنان الأمين الذي قدم الورقة الأساسية، فأكد أنّ الفرص المتاحة في رياض الأطفال في المدارس الرسمية محدودة، والمشكلة في المراحل الأخرى ليست في الالتحاق بالتعليم، بل في نوعية هذا التعليم والمناهج التي ما زالت تركز على محور المعلم. وفيما شدد الأمين على ضعف دور المدرسة في بناء الانتماء الوطني، بدا لافتاً ما تحدث عنه لجهة مهزلة التعاقد وإفساد المناخ المدرسي وتعيين راسبين في مباريات مجلس الخدمة المدنية بمباركة القوى السياسية وروابط المعلمين على حد سواء. استفز هذا الكلام قاسم الذي ذكّر بأنّ الروابط أسقطت التعاقد الوظيفي عام 2006.



مناعة مفقودة

بدت لافتة مشاركة مستشار وزير التربية د. مازن الخطيب في الحلقة الحوارية للمركز الاستشاري للدراسات والتوثيق. فالدفاع عن الخطط والمشاريع والقوانين التي تعدها الوزارة على طريق ما تسميه الإصلاح التربوي لم يمنع الرجل من الاعتراف ببعض المعوقات، منها عدم وجود مناعة لدى الإدارات الرسمية في الوقوف في وجه التدخلات الحزبية والسياسية، وتقصير الجميع في ضبط التعاقد مع الأساتذة ومساهمة كل الأفرقاء في تجميع المعلمين ضمن مناطقهم عبر التدخلات في المناقلات؛ إذ يرفض هؤلاء الانتقال عشرات الكيلومترات للتعرف إلى نمط عيش الآخر وثقافته، إضافة إلى غياب التقويم للكوادر البشرية وعدم التحقق من الدور الذي تؤديه المدارس الخاصة في توفير الاندماج الاجتماعي لتلامذة لبنان.