ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها نبع «الدردارة» للردم وتضييق مساحة حوضه، فمنذ البلدية الأولى، التي انتخبت بعد التحرير عام 2000، مروراً بالبلدية الثانية، راحت معالم النبع تتبدل، من طبيعية بامتياز نحو منشآت كلها من الاسمنت، لم توفر الحوض من القضم والتضييق. آخر التعديات على «الدردارة» يتم حالياً، إذ تردم مساحات إضافية بغية «أسمنتها» وتحويلها إلى «استراحة»


كامل جابر
«كانت مياه النبع تفور كالشلال، كنا أطفالاً لا يحلو لنا الشرب إلا من فوهته، اليوم صار النبع في قلب الردم، وما يتسرّب من مياه إلى البركة آت من قنوات ضيقة تحت الأرض سرعان ما تتحول إلى موحلة لا تصلح للشرب»؛ بهذه العبارات لخّص رضا العجوز (65 عاماً) من بلدة الخيام مآل نبع «الدردارة» الذي يتعرض اليوم لمزيد من الردم لاستخدامه كمنشآت سياحية.
ثلاثة صيادين من الخيام، يقصدون يومياً نبع الدرادرة بغية اصطياد بضع سمكات ما زالت تعيش وتتكاثر في «بحيرة» النبع؛ يقول العجوز «حتى هذه الأسماك باتت مهدّدة بفعل الردم الذي يضيّق مساحة البركة شيئاً فشيئاً ويسهم في تلوّثها» ويشير بيده نحو البركة، حيث تظهر مساحات ردمت حديثاً، ويردف: «كأن كل مساحات الاسمنت التي أسهمت في إنشائها البلديات السابقة لم تكف، لنشاهد أخيراً، عدداً من الشاحنات تفرغ حمولتها في قلب البركة لردم أجزاء إضافية منها».
«الخطيئة الكبرى تمثلت في ردم رأس النبع» يقول حسين كلش، عضو المجلس البلدي، ويؤكد أن البلدية الأولى التي أتت بعد التحرير هي أول من تجرأ على ردم فوهة النبع وصبّ مساحات من الاسمنت على جنباته، خصوصاً عند الجهة الشرقية، واستحدثت منشآت اعتبرتها بيئية وتجميلية، غير آبهة بالضرر الذي لحق بأبناء الخيام جراء ردم الفوهة التي كانت تخرج منها مياه النبع العذبة ويستخدمها الأهالي في الشرب». ويشرح كيف أن «البلدية الثانية أتت لتعمل وفق مزاج خاص، لا ندري كيف وضعت دراسات سمحت لها باقتطاع مساحات من النبع وتثميرها في مقهى سياحي».
ولم يبد كلش ملاحظات تجاه ما يجري من ردم إضافي في حوض النبع «بانتظار انعقاد جلسة المجلس البلدي، اطلع خلالها على حيثيات العقد الذي أبرمته البلدية السابقة مع المستثمرين، أصحاب المطعم القائم فوق النبع». ويلمح إلى أن «المشكلة في ذهنية إدارة الأمور في المجلس البلدي، وما يجري يصبح تفصيلاً، لكن لن أوافق على ما يسيء مجدداً إلى النبع».
رئيس البلدية، عباس عواضة، يخفف من «وطأة ما يجري قرب النبع، هناك كميات من الردم كانت متروكة سابقاً في البركة، ويقوم المستثمرون من آل فاعور بمسحها وترتيبها، وصار الأمر منظماً أكثر مما كان عليه سابقاً».
ويؤكد أن «ما قامت به البلدية السابقة جاء على أساس ما كان قائماً من أرصفة وردم وهدم في جانب الطريق العامة التي تعبر شرقي النبع، بناءً على تصميم هندسي وإعادة تصور للبركة ومحيطها، فشيّدت قناطر، لكن كل ذلك تم على الردم الذي كان في البركة ولم يضف أي جديد». ونفى أن تكون قد حصلت أي تغيرات جديدة على سطح البركة، «غير مسح الردم وتجليسه وتنظيمه، وقد جرى توسيع البحيرة في عهد البلدية السابقة، وفق وجهة نظر معمارية تركت أمكنة لأحواض مائية متداخلة بين الباطون، ومساحة الاسمنت التي كانت لا تزال هي نفسها».
وتسأله «الأخبار» عن شكوى الأهالي من أن أعمال والردم التي غيّبت فوهة النبع التي كانوا يستخدمون مياهها للشرب؟ فيرد: «النبع لم يزل موجوداً في الدردارة، عندما تذهب إلى البركة تجده هناك». ويختم مؤكداً «أن البلدية لن تعمل إلا وفق المصلحة العامة للأهالي».
في زيارة ميدانية إلى نبع الدردارة، يتبيّن أن مساحات ردم جديدة ظهرت فوق سطح البركة، ملاصقة لمساحات أخرى صُبّت سابقاً تحت قناطر حجرية مستحدثة، تعلوها قاعة من زجاج وقرميد؛ وتظهر كميات من مادة «البيسكورس» تغطي سطح الردم الذي شبك بمربعات من حديد، ما يوحي بتحضير الردم للصب بالاسمنت. هذه الصورة تأتي معاكسة لصورة النبع التي كانت بعد التحرير مباشرة، إذ إن حداثة البناء وأعمال الردم الجانبية التي قامت عليها جدران الدعم تركت آثارها الواضحة (من ردم صخري) داخل المياه، واقتطعت هي الأخرى من حوض النبع.


بلدية ما بعد التحرير هي أول من تجرأ على ردم فوهة النبع
قرب النبع، ينهمك صياد من آل العبدالله، في حل لغز خيطان صنارته التي تشابكت وتعقدت، ويهز برأسه آسفاً «على ما حل بالنبع، لقد ردموه ليستفيدوا منه مادياً، نحو عشرين متراً من الحوض، طولاً جرى قضمها حتى الآن، لتعادل 200 متر مربع، والمجال يبقى مفتوحاً على كثير من الاحتمالات». وإذ لا يقلل من أهمية المنشآت التي قامت على جوانب البركة، من أرصفة و«حواجز» حديدية للحماية، «لكنني لست موافقاً على ما يجري في داخل البركة، ليبنوا حول النبع في عقارات خاصة ما يشاؤون، لكن لا يجوز المس بحوض النبع». ويشير بيده نحو جدران البركة، ليقارن بين الارتفاع الذي كانت تصل إليه مياه الدردارة، وبين ارتفاعها الحالي «كل هذا التناقص، بسبب ردم فوهة النبع التي كنا نشرب منها صغاراً وننقل ما تحتاج إليه البيوت من مياه الشفة، قبل الستينيات».
أسئلة يطرحها حسين صادق من الخيام، راجياً من الجهات المختصة في البلدية الحالية، أن تجيب عنها: «كيف جرى تثمير منشآت النبع في عهد البلدية السابقة، من دون إعلان واستدراج عروض؟ وكيف رسا هذا الأمر على المستثمر الحالي وبأي مبلغ، فيما لم توافق البلدية على إقامة منشآت سياحية لبعض أبناء البلدة في الأملاك الخاصة، قرب النبع؟».
يغذي «الدرارة» بالقنوات سهليْ مرجعيون والخيام، مع نبعين صغيرين هما: «الرقَيْقَة» و«الباردة». ومياهه حالياً لا تصل إلى أكثر من ألف متر بسبب الشح والآبار الارتوازية التي بدأت تنشأ حوله، فضلاً عن الردم الذي غيّب فوهته. كانت كروم التين تغطي محيط النبع؛ وكانت الأعراس والحفلات حوله تستمر أياماً. أما صيادو الأسماك بالصنارة فكانوا يقصدونه لأن سمكاته «طول الشبرين»؛ ويصفون طعمها بالزبدة.