100 طفل. 400 طفل. لا عدد دقيقاً لهم، ولا يهم. فالمهم هنا أنّ هؤلاء الأطفال من بريتال محرومون ممارسة حياتهم المدنية لأنهم بكل بساطة غير مسجلين رسمياً في دائرة الأحوال الشخصية. ما يعني، بعبارة واحدة أنهم غير موجودين


راجانا حمية
على عجل، حملت وردة أغراضها، وخرجت مسرعة من منزلها. لم تكن لتأبه لحبّات التراب التي التصقت بقدميها شبه العاريتين، وهي تسرع الخطى على الطريق الترابي كي «تلحق» موعد الباص على الطريق العام. لم تطل دقائق الانتظار، ها هو الباص المنطلق من بلدتها بريتال إلى بعلبك قد اكتمل عدد راكبيه. طيلة الطريق، قلّبت وردة أوراقها بضع مرات، خوفاً من أن تكون قد نسيت شيئاً، وإلّا فعليها العودة وانتظار باصٍ آخر. وما أصعب الانتظار في تلك القرى النائية.
اطمأنت. لا شيء ينقصها. كان عليها أن تحضر إخراج قيد إفرادياً جديداً له من دائرة النفوس في سرايا بعلبك في أسرع وقت ممكن كي تدخله المدرسة. وصلت وردة إلى الدائرة. طرحت أوراقها على الطاولة. بدأت طلبات الموظف تنهال عليها «جيبي طوابع. أعطيني صوره». دخل الموظف بعض الوقت، ثم عاد ليقول لها: «لا اسم لطفلك في السجلات، متى وُلد؟». يشرح الموظف أنه لدى عودته إلى رقم وثيقة الولادة تبيّن أنه لا يعود إلى طفلها، ما يعني أنه رقم وهميّ.
ليس هذا فحسب، فلعبارة الواقف خلف الشباك تتمة «بعدين إنت متزوّجة؟ لا إثبات لدينا هنا، لذا عليكِ أن تثبتي زواجك ومن ثم أن تبحثي في مصير ابنك».
مفاجأة مفاجئة فعلاً. دخلت وردة إلى الدائرة متزوّجة وخرجت منها عزباء. تزاحمت الأسئلة في رأسها. تتذكر جيداً أنّ مختار الحي الذي تقطنه أتاها سابقاً بإخراج قيد لابنها. ما الذي حصل الآن؟ وكيف تحمل المرأة إخراج قيد قديماً لطفلها، والآن يقولون أنْ لا اسم له؟ كيف ستثبت زواجها برجل بات «مطلوباً» للعدالة؟
زوج مطلوب. ابن لا وجود له. وهي الآن أم عزباء. كبُرت دائرة الأسئلة أيضاً. لكن وردة ليست الوحيدة التي تعاني عائلتها مشاكل قانونية. فقد توسّعت اللائحة، وبات هناك أكثر من وردة ومن «400 طفل غير موجودين أبداً في السجلات الرسمية»، يقول مختار الحي التحتاني في بريتال محمود طليس. هذا الغياب القانوني يعني الكثير: يعني أنه ما من مستشفى قد يستقبل هؤلاء الأطفال ولا طبابة ولا ضمان ولا مدرسة، اللهم إلّا بالتزوير والمماطلة. وهو ما لم يستطعه الأهالي هذا العام.
قبل سنوات، بدأت تلك الحوادث، لكنها كانت حوادث فردية. أما الآن في بريتال، فلا يكاد بيت يخلو من «مفقود» في السجلات الرسمية.
في عام 2003، بدأت القصة وبقيت حتى عام 2007، وكبرت عندما بدأت تطفو المشكلة التي أصابت أبناء العسكريين تحديداً، ومعظمهم من آل طليس. حينها، كان في دائرة النفوس مأمور نفوس (س م) وموظفان (ع ح ط) و(ع ن) وهم سبب الإشكال الذي حرم مئات الأطفال إثبات وجودهم. وللمصادفة أن الموظفَين من بريتال، أي إنهما على معرفة وطيدة بالآتين من البلد. كان (ع ن) مختصاً بمتابعة وثائق الولادات، فيما (ع ح ط) كان يساعده «عَ المعرفة»، يقول المختار محمود طليس. «عَ المعرفة» كانت السبب في ذاك الإشكال الجماعي. و«عَ المعرفة»، كان «يتبرّع» الموظفان ببيانات قيد لأبناء الضيعة. يسجلون لهم أرقاماً في سجل المختلف، وهو المؤقت، من دون أن ينقلوها إلى السجل الوارد، وهو السجل الرسمي. أكثر من ذلك، كانت تلك الأرقام وهمية لا علاقة لها بما سجّل على البيان المعطى للشخص، هذا ما اكتشفه المختار أحمد طليس عندما بدأت مشكلة طفليه هادي وماريا. لكن، كيف كان يجب أن تجري الآلية؟ عن هذا السؤال تجيب سوزان خوري، رئيسة مديرية الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية، فتقول إن «الحصول على بيان القيد يفترض تسجيله في الوارد ومن ثم تنفيذ صورة عن الوثيقة رسمياً». هذه الصورة هي الإثبات الرسمي أنّ العملية قانونية، وأن المسجل سُجّل وأن الرقم دقيق.
مجرّد «نقلة» من دفترٍ إلى آخر تشرعن كل شيء. لكن، كيف فاتت المخاتير هذه القضية؟ تضع خوري المسؤولية «على الأهل الذين يُفترض بهم الحصول على صورة الوثيقة المنفذة، وعلى المخاتير والموظفين». يرفض المخاتير الاتهام، فهم لم يوجدوا يوماً خلف هذا الشباك ليعرفوا ماذا يجري في السجلّين. هم يأتون إلى تلك الدائرة ويعودون محمّلين ببيانات قيد مصدّقة.
يفتح المختار محمود طليس سجلّ جدّه المختار أيضاً، وهو الدفتر الذي كان يسجّل فيه كل وثائق أهل الضيعة، وبقي على هذه الحال حتى عام 1971. في هذا السجل، يقسّم الجدّ صفحاته حسب نوع الوثيقة: جواز سفر أو بيان قيد إفرادي أو عائلي، وإلى جانب تلك المعلومة يرصف عدة أعمدة تتضمن الاسم ورقم السجل والعدد ووثيقة الولادة ورقم الوثيقة.
لم يعد أحد من المخاتير يتّبع تلك التقنية. هل هو التقاعس أم ماذا؟ لا هذا ولا ذاك، يقول المختار محمود طليس، مشيراً إلى أن «كل ما هو مسجّل لدينا هو ما نقوم بتسجيله نحن، ولا علاقة لنا بما يجري داخل أروقة الدائرة».
من المسؤول إذاً؟ قبل أن تحدّد خوري المسؤولية، تشير إلى أن «الأهالي ضخّموا الموضوع بعض الشيء، عملنا تحقيقاً في بريتال وتبين لنا أن هناك أسماءً نازلة وأسماءً مش نازلة من ضمن الأسماء التي تقدموا بها إلى الداخلية على أساس أنها غير مسجلة». تضيف خوري إنّ العدد قد «لا يتخطى المئة طفل، يسجَّلون تباعاً ولا حاجة إلى كل هذا التهويل». تنطلق خوري إلى المسؤولية التي رمتها على الأطراف المعنية بتلك «البرمة»، من «المختار إلى أصحاب العلاقة إلى الموظفين إلى مأمور النفوس». مستثنية «الداخلية»، لأنها لا تستطيع فعل شيء بعد تخطي مدة السنة لإعادة التصحيح. تقول خوري «كان مأمور النفوس آخذها عشائرية، وكان من المفترض ضمن مهلة سنة يتسجلوا».


أوعزت الوزارة إلى النيابة العامة بتسهيل طلبات المتقدمين لتصحيح بياناتهم
مرت السنة، وفوقها خمس أخرى. لكن، الإدارة فعلت «الواجب». فبعد مرور ذلك الوقت، باتت الحاجة إلى إقامة دعاوى قانونية لتصحيح الأخطاء. ولهذا السبب، أوعزت الوزارة إلى النيابة العامة بتسهيل طلبات المتقدمين لتصحيح بياناتهم.
لهذا السبب أيضاً، تقدمت معظم العائلات بدعاوى أمام النيابة العامة. أعادوا تجميع وثائقهم من جديد. صدر البعض منها، أي حوالى «30 أو 40 حكماً، ونحن بانتظار المزيد»، تقول خوري. ظنوا أن القضية ستنتهي بمجرد حكم القضاء، لكن على ما يبدو أنْ لا. ويشير المختار أحمد طليس، وهو الحاصل على حكم بتسجيل ولديه، إلى أنه «منذ فترة، عدنا إلى النقطة الصفر». يعيد المختار القصة من «طقطق إلى السلام عليكم»، فيقول: «أخذت حكم القاضي المنفرد في بعلبك الذي يقضي بتصحيح الإشكال في التسجيل». حمل الوالد حكمَي ولديه القضائيّين إلى دائرة الأحوال الشخصية الفرعية في زحلة «لعند الرئيسة أدما زخيا»، وهناك كانت المفاجأة، حيث جاء الجواب أن الملف مرتجع «لأنّ المطلوب هو أساس الوثيقة»، ما يعني الرقم الموجود في سجل الوارد. لكن، من أين سيأتي هؤلاء بالرقم، إن كان وهمياً؟ لم يسرق اليأس المختار، ومن فوره توجّه إلى سرايا بعلبك للاستفسار، فأتاه الجواب أن هذه «النواقص نعمل على تظبيطها بأيّ شكل». وما لم «يظبطها» العاملون في السرايا، فلا قيود ولا من يحزنون.. وبالتالي، لا مدرسة ولا من يسجّلون.


الإجراءات التأديبية

في 18 كانون الأول 2007، أخذت مديرية الأحوال الشخصية من وزير الداخلية زياد بارود الموافقة على ملاحقة المتسبّبين بهذا الإشكال. واستناداً إلى هذا الإجراء، جرى تأخير تدرج مأمور النفوس 6 أشهر تأديبياً ونقله من مكانه. وعين سامي الهندي رئيساً أصيلاً. أمّا الموظفان الآخران، فقد فسخ عقد (ع ح ط) مع مجلس الخدمة المدنية. كما أودع السجن مدة 6 أشهر. أمّا (ع ن)، فقد فُصل من عمله، لكنه نُقل الى مكان آخر بقوة «الفيتامين واو» حسب المراقبين.
ثم ألّفت «الداخلية» لجنة لتنظيم سجلات بعلبك وتدقيق القيود التي أدرجت خلافاً للأصول في سجلات المقيمين. ولأنّه لا مجال للتوظيف في الدولة، «استقدمت» الوزارة إلى بعلبك 5 موظفين «على الفاتورة»، كما فُصل إلى هناك 3 عسكريين للمساعدة على تنظيم القلم ومنع دخول «المتطفلين». وفي 10 حزيران أيضاً، صدرت مذكرة تطلب من جميع موظفي قلم نفوس بعلبك تخصيص الساعات الأخيرة من الدوام الرسمي لإنجاز المهمّات التي تكلفهم بها اللجنة.