في صحراء الجنوب العراقي، تعلّم الراعي الصغير فضائل التأمّل. وبين السماوة وبغداد وباريس وكولونيا وبيروت، حيث يقيم اليوم، ترسّخ إيمانه بالحريّة الفرديّة. الشاعر الذي أفسدته مغامرة النشر، ما زال يؤجّل موعد الهجرة المعاكسة إلى بلاده

حسام السراي
لم يكن الطفل المولود في صحراء العراق الجنوبية ليتصوّر في سنواته الأولى، مدى إسهام تلك البيئة في تكوين مخيّلته. صارت الطبيعة التي عاش في كنفها خالد المعالي، «المشهد الأساسيّ» بالنسبة إليه، سواء كانت «جرداء أو مخضرّة بكلّ ما فيها من أفاعٍ، وحشرات، وذئاب وبنات آوى، وزواحف».
لم ينسَ الشاعر والناشر العراقي، صاحب دار «الجمل»، قسوة الحياة في طفولته: «كي نخفف لسعات الجوع، كنا نضطر إلى البحث عمّا يُؤكَل في الطبيعة، فطعام البيت لم يكن كافياً». هكذا يصف المعالي تلك الفترة، متذكراً ملابسه المهترئة، وسيره حافي القدمين في الصحراء. يستعيد الساعات التي كان يُجبَر فيها على رعي الأغنام، مثل إخوانه وأقرانه، وكانت مهنة الراعي دعوةً مشرّعة على التأمّل. «منذ ذلك الحين، تولّدت عندي أوهام الكتابة الشعريّة. فالمُتأمِّل في الفضاء، أو الذي يطلق العنان لنفسه كي يغنِّي، هو ذاته الذي يهمهم القصيدة في ما بعد».
درس خالد في مدرسة بدائيّة مبنية من الأعمدة الخشبيّة والقصب. كانت «قرب بيت شيخ العشيرة»، لكنّهم كانوا يذهبون إليها بملابس عادية غير رسميّة، «ومن دون أحذية». معلموه في تلك المدرسة، كانوا يشعرون بحبّه للشعر، فيما كان الوصول إلى المدينة (السماوة ــــ جنوب العراق)، أقصى أحلامه. جرى ذلك لاحقاً. إذ ذهب إلى هناك لإتمام دراسته المتوسطة، ويبدأ مرحلة جديدة من الصراع مع الذات، ومع المكان الجديد الذي أخذ يضع كل العقبات الممكنة في طريق الشاب القادم من القريّة. «كان هناك احتقار لكلّ إمكانات التلميذ القرويّ ومواهبه. هكذا، تحوّلت من تلميذ ذكي، إلى تلميذ يتجنّب الكثير من الدروس بسبب خوفه من شتائم أساتذته، وسخريتهم منه». ويستدرك: «لا تنسَ أنّ ملابسي كانت رثّة جداً، وجيبي خالٍ أيضاً». لكنّه سرعان ما أوجد وسائله الدفاعيّة بوجه تلك الصدمة، والتعالي الطبقي. «محاولات تطوير النفس، ومساءلة الذات بحثاً عن التفوق، كانت أبرز دفاعاتي. كتابة الشعر والنثر، كانت أهم دليل على وجود إمكان ما للتفوّق، وهذا ما قادني بنحو لا إرادي إلى المكتبات».

حين أسس دار «الجمل» مطلع الثمانينيات، كانت مشروع «منشوراتٍ للتوزيع باليد»
أوّل ما قرأه، كتاب للشاعر يحيى السماوي، إلا أنّ «اللسعة الحقيقية في الكتابة»، جاءت مع قراءته قصائد بودلير، في ترجمة لمصطفى القصري تحت عنوان «شارل بودلير؛ الشاعر الرجيم». سرّع ذلك من قراره بأن يكون شاعراً. استفاد حينها من دراسته في إعداديّة الصناعة، ليجد المزيد من وقت الفراغ للمطالعة والتأمّل. «كانت تتلاطم بنا الأمواج السياسيّة، لكنّني فضّلت أن أبتعد عن جميع الاتجاهات حينها». يحدّد التزامه بمشروعه الثقافيّ بعيداً عن الإيديولوجيات من خلال «قراءة الأعمال الصوفيّة العربيّة، وأعمال السورياليّين الفرنسيّين خصوصاً». لكن، في خضمّ تلك التحوّلات في رؤاه الشخصيّة، طرد من إعداديّة الصناعة في السماوة، لأسباب سياسيّة. كان ذلك في عام 1976، ولم يكن من صديقنا سوى أن استغلّ الفرصة للانتقال إلى بغداد، ومواصلة الدراسة في اعداديّة الصناعة في العاصمة: «هذه النقلة مثّلت تحوّلاً جذريّاً في حياتي، مع تغيّر نوعيّة الأصدقاء، واكتشاف أسلوب الحياة الصعب». هنا أيضاً، بقي مأخوذاً بفكرة التمرّد «القديمة». «هذا الارتحال، ثمّ قرار مغادرة العراق، كانا جزءاً من رغبتي الدفينة في الهروب من مجتمع لا يؤمن بالحريّة الفرديّة، ونظام سياسيّ كان يشدّ قبضته على حريّة التعبير»، يقول مشيراً هنا إلى بحثه الدائم عن فضاءات أخرى تتيح له مواصلة قراءاته وأحلامه، من دون أن ننسى شغفه بالموضة حينذاك.
ينجح هذا الحالم في الوصول إلى فرنسا، والبقاء فيها عامين، ثمّ المغادرة إلى ألمانيا أوائل آب (أغسطس) 1980. هناك، وجد الحريّة، لكنّه بقي «فرداً معدماً». مسار التغيرات الحياتيّة لم يكن مشابهاً لمجرى التحوّلات التي تطرأ على قصيدته. «التغيرات في القصيدة التي أكتبها متواصلة، منذ أوّل نصّ شعريّ لي حتّى هذه اللحظة». وبين القصيدة الأولى وآخر ما كتبه «أطياف هولدرلين»، مسافة فيها الكثير من الأسئلة، واستنطاق الوجود، والعالم. تجربةُ تَعلُّم لغة أخرى، والترجمة منها واليها، جعلته يعي إمكانات اللغة العربيّة. يعترف خالد: «الكثير من شعرائنا اليوم يكتبون من دون أن يفهموا ما يكتبون. على الأغلب يهذون، وأنا واحد من هؤلاء». ويبدي عدم رضاه عن المشهد الشعريّ الحالي في العراق وسط ما يسمّيه «الصخب النشريّ، والانتفاخ الأَنوي الذي تمنحه الصحافة الثقافيّة وفضاء الإنترنت للشعراء المزعومين».
ذات مرة، قرّر تأسيس مجلّة أدبيّة باسم «الجمل»، لكنّه لم ينجح في إصدارها. فكّّر عندئذ في أن ينشر بعض الكتب باسم منشورات «الجمل» في كولونيا (غرب ألمانيا) حيث يقيم. بدأت المغامرة في عام 1983، وكانت الكتب تُصمَّم بواسطة الآلة الكاتبة، وتنجز بواسطة آلة النسخ. كان اسم الدار حينذاك «منشورات الجمل للنشر والتوزيع باليد». يؤكّد لنا خالد أنّه لم يخطّط يوماً ليصبح ناشراً، بل وجد نفسه في خضمّ تلك العمليّة الشاقّة. يضع نصب عينيه عبارة الشاعر اليوناني قسطنطين كافافيس «أؤمن بمتعة الطريق»، كما في قصيدته «الوصول إلى إيثاكا». الآن، لم يعد يعنيه اختصار بعضهم له بـ«وظيفة» الناشر، على حساب الشعر. هذا أمر أزعجه في البداية ثم تجاوزه.
من تجاربه في مجال الدوريات، يستعيد ذكريات مجلّة «فراديس». «أصدرتها بمساهمة أساسيّة لصديقي القديم الشاعر عبد القادر الجنابي، وقد نشرنا سبعة أعداد في خمسة أجزاء». كانت تجربة «ممتعة، فشلت لأسباب عدّة، أهمها الأنا المتضخمة لدى الآخر». يرى في مجلة «عيون» تجربةً مختلفة. توقّفت هي الأخرى عن الصدور بسبب عدوان تموز/ يوليو 2006 في بيروت: «أتلفت جميع مواد عدديها المهيَّأين للنشر أثناء القصف الإسرائيليّ». لكنّه يعدنا بأن «عيون» ستعود قريباً مجلّةً فصليّة.
ومرّت الأيام، وتعاقبت المنافي، إلى أن ألحّت على خالد المعالي في عام 2004، فكرة «الهجرة من جديد إلى العراق». لكن محاولاته باءت بالفشل. إلّا أنّه لا يزال يؤمن بإمكان العودة إلى بلد زرع فيه عشرات من فسائل النخيل. لقد صارت أشجاراً عالية الآن بلا شك، علماً بأن الجيش الهولنديّ اقتلع الكثير منها في السماوة، حين احتفل بمغادرته العراق. على الصعيد الشخصي، الشاعر والناشر العراقي الذي اختار بيروت محطّة على طريق العراق، قد تطول الإقامة فيها أو تقصر، مقتنع بأن المشاكل التي تعترض طريقه «ناتجة من إيماني بالحريّة الفرديّة». ويشرح: «العالم العربي يعيش مخاضات جديدة، ثمّة أسئلة كثيرة تطرح فيه». إنّها طريقته المتفائلة في التعامل مع المستقبل!


5 تواريخ

1956
الولادة في الصحراء قرب محافظة السماوة (جنوب العراق)

1978
صدور ديوانه الأوّل «لمن أعلن دفتري؟»

1980
وصل إلى مدينة كولونيا في غرب ألمانيا، وفيها أسس «دار الجمل» عام 1983

1996
الحصول على جائزة الشارقة لأفضل ناشر عربيّ

2010
نشر الترجمة العربيّة لـ«قصّة عن الحبّ والظلام»، رواية الكاتب الإسرائيلي آموس عوز التي أثارت سجالاً واسعاً تجاوز حدود بيروت