ترتفع وتيرة التصريحات المشككة بالعدالة الدولية مع اقتراب موعد صدور القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكن التشكيك يستند أصلاً الى التزام المحكمة قواعد مشبوهة


عمر نشّابة
إن قواعد الإجراءات والإثبات التي تبنّتها المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري تتيح لشهود الزور الذين قد يمثلون أمامها، أن يفلتوا من المساءلة والمحاسبة «بداعي السرّية». فبموجب القواعد يمكن أن يطلب المدعي العام شاهداً ليقدم بصفته وسيلة إثبات أية معلومات بينما «لا يجوز لقاضي الإجراءات التمهيدية ولا لغرفة الدرجة الأولى إلزام هذا الشاهد الإجابة عن أي سؤال يتعلّق بالمعلومات مصدرها إذا امتنع الشاهد عن الإجابة بداعي السرّية» (الفقرة واو من القاعدة 118). ولا تتوقف الأمور عند هذا الحد بل تزيد من نسبة التشكيك في صدقية عمل المحكمة عبر التزامها فقرة أخرى من القاعدة نفسها: «عندما تكون بحوزة المدعي العام معلومات قدّمت له بصفة سرية وتمس المصالح الأمنية لدولة ما أو هيئة دولية أو ممثل عنها، لا يعمد المدعي العام إلى إبلاغ تلك المعلومات ومصدرها إلا بموافقة الشخص أو الهيئة التي قدّمتها».
إن مايكل تايلور، ضابط الاستخبارات البريطاني الذي يتولى حالياً مركز رئيس فريق التحقيق التابع لدانيال بلمار، لا يمكنه أن يتلاعب بوجهة الاتهام إلا إذا سمحت قواعد المحكمة له بذلك.
قواعد الإجراءات والإثبات كان قد أعلن عنها في 20 آذار 2009، لكنها خضعت لثلاث مراحل من التعديلات، أولاها في 10 حزيران 2009 وثانيتها في 30 تشرين الأول 2009 والأخيرة في 10 تشرين الثاني 2010. غير أن تلك التعديلات، بدل أن تصحّح الثُّغر التي تتيح التلاعب بالتحقيقات الجنائية عبر فبركة معلومات واختلاق شهود وتشويه الحقيقة، ساعدت وستساعد على تسهيل مهمة أجهزة الاستخبارات الضالعة في «لعبة الأمم». وبالتالي فإن مضمون القواعد يمثّل أحد الدوافع الأساسية لعدم الثقة بالمحكمة الدولية.
نعرض في الفقرات التالية الشكوك التي تحوم حول مضمون بعض القواعد المشبوهة (القواعد 115 و116 و117 و133 و155)، إذ تجيز القاعدة 115 «للمدعي العام، في ظروف استثنائية، الطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية أو من غرفة الدرجة الأولى إصدار أمر بعدم الكشف مؤقتاً عن هوية المتضرر أو الشاهد الذي قد يكون مهدّداً أو معرضاً للخطر» (عُدلت في 30 تشرين الأول 2009). لكن لا تحدّد هذه القاعدة «الظروف الاستثنائية»، ما يفتح الباب واسعاً لاعتبارات لا علاقة لها بمعايير العدالة. فكيف يُحدَّد كونُ الشاهد مهدّداً أو معرّضاً للخطر؟ هل يُفتح تحقيق بذلك أم يُعتمد على إفادة الشاهد أو تقديرات المحقّق؟
أما القاعدة 116، فتشير إلى أنه إذا كان الإبلاغ عن مصادر بعض المعلومات التي جمعها المدعي العام «لسبب أو لآخر هو مخالف للمصلحة العامة، يجوز للمدعي العام الطلب من غرفة الدرجة الأولى (...) إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب إبلاغ المعلومات المنصوص عليه في القواعد الحاضرة. على المدعي العام، عند تقديمه هذا الطلب، أن يطلع غرفة الدرجة الأولى على المعلومات التي يطلب بقاءها سرية وترفق ببيان يقترح فيه تدابير موازية تشمل خصوصاً تحديد معلومات جديدة وذات طبيعة مماثلة، وتقديم هذه المعلومات مختصرة أو مموّهة، أو عرض الشق الأهم من الوقائع». وبالتالي، يمكن التلاعب عبر التمويه وعبر «اختيار» الشقّ الأهم من «الوقائع» وعبر اعتماد تايلور «تدابير موازية».
وإذا كان الإبلاغ عن هوية شاهد «قد يؤدّي إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية، يجوز للمدعي العام الطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية في غرفة المذاكرة، بنحو غير وجاهي، إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب الإبلاغ الملحوظ في القواعد» (القاعدة 117). من هي الجهة التي تحدد ما إذا كان هناك احتمال «مساس بالمصالح الأمنية»؟ وماذا تشمل «المصالح الأمنية»؟ الكشف عن معلومات استخبارية؟ ألا يمكن أن تكون إحدى هذه الدول إسرائيل؟ فتكون بذلك المحكمة الخاصة بلبنان حريصة على مصالح إسرائيل الأمنية؟
ورد في نصّ القاعدة 133 احتمال اعتماد «تدابیر خاصة لمنع الكشف للجمهور أو لوسائل الإعلام عن هویة أو مكان وجود متضرر أو شاهد أو أقاربه أو شركائه». وبالتالي تسمح القواعد بشاهد سرّي يعمل لمصلحة جهاز استخباري معاد للبنان. ومن التدابير التي يمكن أن تتخذها المحكمة للحفاظ على سرّية الشاهد: «أ. شطب الأسماء وبیانات تحدید الهویة من السجلات العامة للمحكمة»، ما يعني إخفاء أي أثر لهوية ذلك الشاهد في المستندات العلنية وغير


لا يمكن أن يتلاعب ضابط الاستخبارات بوجهة الاتهام إلا إذا سمحت قواعد المحكمة له بذلك
العلنية. «ب. عدم الكشف للجمهور عن أیة سجلات تحدد هویة الشاهد. ج. استعمال وسائل تقنیة لتحویر الصورة أو الصوت. د. الإدلاء بالشهادة عبر نظام تلفزيوني مغلق أو نظام المؤتمرات التلفزيونية. هـ. واستخدام أسماء مستعارة». ولا تحديد في القواعد لمنهجية اختيار الأسماء المستعارة، ما يفتح المجال لاستخدام إيحاءات وتلاعب في تحديد الهوية. وأخيراً، تشير القاعدة 133 إلى إمكان «عقد جلسات سریة».
أما القاعدة 155، فتذكر: «تقرر غرفة الدرجة الأولى، بعد الاستماع إلى الفريقين، ما إذا كان يتعيّن أن تطلب من الشاهد المثول أمامها للاستجواب المضاد. ولها أن تقرر أن مصلحة العدالة ومقتضيات المحاكمة العادلة والسريعة تبرر استثنائياً قبول الإفادة أو النص المدوّن، كلياً أو جزئياً، بدون إجراء استجواب مضاد». وهنا نسأل كيف يمكن أن تحرم غرفة الدرجة الأولى فريق الدفاع الصادق حقّه في الاستجواب المضاد للشهود، وتكون الإجراءات عادلة؟
على الرغم من تعديل القاعدة 76 المعنية بتبليغ قرار الاتهام وإضافة القاعدة 76 مكرّر التي تشرح كيفية الإعلان في 10 تشرين الثاني 2010، تجيز القاعدة 74 لقاضي الإجراءات التمهيدية، «أن يأمر بعدم إعلان قرار الاتهام للعموم أو أية مستندات أو معلومات مرتبطة به» بينما «يجوز للمدعي العام إعلان قرار الاتهام أو جزء منه لسلطات دولة معيّنة إذا رأى في ذلك ضرورة لغرض التحقیق أو الملاحقة». ويمكن أن تكون تلك الدولة معادية للبنان. كذلك فإن القاعدة 74 لا تحدّد «ما تقتضيه مصلحة العدالة».


أربعة خيارات لاتّهام حزب الله

أمام دانيال بلمار أربعة خيارات في تحديد استراتيجية اتهام حزب الله باغتيال الحريري: أولاً، اعتماد القاعدة 74 من قواعد الإجراءات والإثبات التي تتيح عدم إعلان قرار اتهامي للعموم وترك الإعلان «لحين توافر الظروف المناسبة». ثانياً، التكتم الجزئي، بمعنى إعلان بعض القرارات التي لا تتهم أشخاصاً مقرّبين من حزب الله والتكتم على القرارات التي تتهم أشخاصاً على صلة بالحزب. وبذلك تكون المحكمة قد وضعت الحزب في موقف حرج إذ يتبين، خلال المرحلة الاولى، أن معلوماته عن القرارات لم تكن صحيحة. ثالثاً، تقديم قرارات اتهامية تستهدف أشخاصاً على علاقة بحزب الله وتبرير ذلك عبر التشدد في التأكيد على الأدلة وتعميم مبدأ قرينة البراءة والتذكير بأن قواعد المحكمة لا تلزم توقيف المتهمين وحضورهم الى لاهاي. رابعاً، إصدار قرارات اتهامية بحق اشخاص لا علاقة لهم بحزب الله ثمّ استدعاء شهود من حزب الله وتحويلهم الى مشتبه فيهم بعد استجوابهم استنطاقياً أمام المحكمة عبر الشاشة الإلكترونية، وذلك استناداً الى تناقض محتمل بين إفاداتهم وبعض الأدلة التي تُقدم لاحقاً والتي صدّق عليها قاضي الإجراءات التمهيدية.