لسبب ما، تستفيق المخاوف البدائية في الكوارث الطبيعية. ربما لأن الإنسان يحسّ بصغره أمام الطبيعة حين تغضب أو تمسك ماءها أو خيرها. هكذا تذكّر جنوبيون طقوس «الشيش بلة»، وهي نوع من صلاة استسقاء بدائية. وأقيمت أمس الصلوات في الكنائس والمساجد. لكن هل تنفع التعويذات؟


بسام القنطار
إلى السماء، رفع المصلّون في مساجد لبنان أيديهم، أمس، وأكثروا الدعاء: «اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً. اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً».
هي ليست المرة الأولى التي يصلّي فيها الناس صلاة الاستسقاء في لبنان. لكنها هذا العام في كانون الأول، أي في الشهر الذي يفترض أن يكون قد بلغ فيه معدل المتساقطات ما يزيد على 100 ملم. وتفيد أرقام مصلحة الأرصاد الجوية بأن كميات الأمطار التي سقطت منذ الأول من أيلول الماضي حتى اليوم بلغت 51,2 مليمتراً، علماً بأن كمية الأمطار في الفترة نفسها من العام الماضي بلغت 214,8 مليمتراً. وبلغ معدل تساقط الأمطار على مدى السنوات الماضية في هذه الفترة 112 مليمتراً. لكن المقارنة بين اليوم والمعدّل العام، في أربع مناطق مختلفة، تظهر حجم الأزمة الحقيقية. في البقاع 27 ملم لهذا العام مقابل 50 ملم، وفي الجنوب 36 ملم مقابل 91.9 ملم، وفي الشمال 34.1 ملم مقابل 141.5 ملم. وفي الجبل 13 ملم مقابل 67.9 ملم. وفق ما تفيد مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية.
تأخر تساقط الأمطار والثلوج لا يهدّد فقط مخزون المياه الجوفية، والمواسم الزراعية الشتوية وموسم السياحة الشتوية فوق جبال لبنان، ولا سيما خلال عيدي الميلاد ورأس السنة، بل أيضاً تجارة الألبسة الشتوية التي بدأ أهلها يدبّون الصوت ويحصون الخسائر؛ لأن الناس لن يشتروا ملابس شتوية والطقس صيفي لهذه الدرجة، فضلاً عن انتشار الأمراض، وخصوصاً الحساسية، في هذا الموسم.
رئيس مصلحة الأرصاد الجوية في مطار بيروت الدولي، مارك وهيبه، أكد لـ«الأخبار» أن «تأخر الأمطار ليس استثنائياً، وبالعودة إلى سجلات المصلحة نجد أن هذا الأمر حصل في عامي 1957 و1958 أيضاً». لا ينفي وهيبه أن موجة الحر لهذا العام هي الأعلى منذ ما يزيد على عقد من الزمن، وخصوصاً أنها تترافق مع جفاف يمتدّ طوال فصل الصيف والجزء الأكبر من فصل الخريف. ويتوقع وهيبه أن «يهطل المطر في لبنان مساء غد»، فيما رجحت مصلحة الأبحاث الزراعية الانتقال من طقس دافئ إلى طقس بارد الاثنين المقبل، مع احتمال طقس عاصف، ماطر، بارد ومثلج على الجبال العالية بدءاً من 10 أو 11 كانون الأول.
في المقابل، بدأت وزارة الزراعة الاستعداد لإطلاق خطة وطنية عاجلة للتكيف مع الواقع الجديد لمعدل الأمطار الذي يهدد تحديداً بخسارة موسم القمح، وحتى موسم الزراعات الصيفية في عام 2011.
ويقول مستشار وزير الزراعة، صلاح الحاج حسن، إن مزارعي القمح في البقاع ينتظرون تساقط الأمطار لاستكمال زراعة المحاصيل التي تمتد من 15 تشرين الأول ولغاية نهاية العام، لكن تأخر الأمطار هذا العام دفع بالمزارعين إلى التريث».
أضاف الحاج حسن: «إذا تساقط مطر كافٍ حتى نهاية العام الحالي يمكن موسم القمح أن يكمل على نحو طبيعي، وإلا فإنه في خطر».
ويحذر الحاج حسن من «تكرار الجفاف سنوياً، الأمر الذي سيؤدي إلى خطر التصحر»، معلناً وضع خطة عمل بدأت الوزارة بالعمل عليها للتكيف مع محدودية الموارد المائية وأثرها على القطاع الزراعي، ما لا يمكن أن يستمر التعاطي معها على نحو تقليدي. ومن الأفكار المطروحة «مشروع لدعم المزراعين بشراء معدات الري بالتنقيط بدل الري بالرذاذ المستخدم حالياً».
وفي جبل لبنان يشكو أصحاب منتجعات التزلج تأخر تساقط الثلوج، وفيما يتوقع أن يبدأ من الاثنين تساقط الثلوج على ارتفاع 2000، يبدو أن السياح الذين سيفدون لتمضية عطلة نهاية العام لن يحظوا بفرصة التزلج في فاريا، التي يشاركهم فيها أيضاً مئات اللبنانيين الميسورين الذين تأخروا هذا العام في وضع السقالة المخصصة لركن معدات التزلج على أسطح سياراتهم الرباعية الدفع. كذلك فإن غياب الأمطار وارتفاع الحرارة من أسباب الحرائق شبه اليومية التي تندلع في لبنان منذ أسابيع.
وفي بشري (فريد بو فرنسيس) لا يزال أهالي القضاء يمنّون النفس بشتاء قاسٍ، يعوض فترة الجفاف وقلة المطر وانعدام تساقط الثلوج. ويغيب الرداء الأبيض عن المرتفعات الشمالية التي اعتادت الجبال ارتداءه في مثل هذه الأيام، ناشراً الخوف والقلق عند الاختصاصيين، على مصادر المياه الجوفية التي يغذيها سنوياً. ويقول رئيس قسم الصحة والبيئة في الجامعة اللبنانية، الدكتور جلال حلواني، إن «تأخر تساقط الثلوج سيؤثر كثيراً على المياه الجوفية. صحيح أن المتساقطات المائية تهطل بكثرة على الأراضي اللبنانية، إلا أن ما يدخل منها إلى المياه الجوفية هو أقل من 10%، من هنا تأتي أهمية تساقط الثلوج التي تذوب ببطء وتدريجاً وتدخل مباشرة إلى جوف الأرض، وبالتالي فإن المياه التي تنتج من هذا الذوبان تسهم بفاعلية في تغذية الأحواض الجوفية».
التغيرات المناخية أثرت كثيراً على المزروعات الصيفية والشتوية في آن واحد، وخصوصاً أن موجة الحر التشرينية لا تزال مستمرة في كانون الأول، والدفء المرافق لها يعطي الأشجار دفعاً جديداً، ما يهدد بالشح مواسم العام المقبل. فشجر التفاح والإجاص في إهدن عاد وأزهر، وشجر التين أورق، والأزاهير البرية تفتحت، وإهدن مقبلة على مشهد ربيعي جديد إذا بقيت الحال على هذا المنوال. أما في الساحل، فإن الحرارة أحرقت حبات الزيتون وأيبست الأوراق، فيما تفتح زهر الليمون باكراً جداً، وكذلك أزهار الاكي ــ دينيا والمزروعات الأخرى. أما الحقول التي زرعت قمحاً وشعيراً، فلا تزال من دون نبات، ويتخوف المزارعون من أن «يسحبها» النمل ويأخذها مؤونة شتوية له، وهنا تكون الخسائر مضاعفة.



تأخر المطر فخاف الناس

«سنة الملاّح هي سنة الفلاّح» قول مشهور يردده الفلاحون، لأنهم يعتقدون أن «البرودة والملّاح» تقضي على القوارض والحشرات التي تكون معششة في الأرض والشجر، ما يجعل إنتاج الموسم لا يتطلب تدخلاً للمبيدات السامة. ويقول رئيس مجلس البيئة في القبيات، د. أنطوان ضاهر: «بدأنا نشهد في لبنان تحولاً من أربعة فصول إلى فصلين، ما قد يقضي على التنوع البيولوجي. وأبدى خشيته من ظهور القوارض باكراً، فتقضي على المزروعات. ولقد أيقظ تأخر المطر المخاوف البدائية عند الناس، فلجأ المسلمون والمسيحيون إلى إقامة صلوات الاستسقاء في المساجد والكنائس أمس.