أكثر من 10 آلاف تلميذ، عجّ بهم قصر الأونيسكو في اليومين الماضيين بمناسبة «المعرض التوجيهي الثالث». هناك، تعاون أكثر من 100 متطوّع ومختصّ في توجيه التلامذة نحو مهنة تتوافق مع شخصيّاتهم ونوع ذكائهم


محمد محسن
انقلب رأي التلميذ علي شعيتو في اختصاصات كليّة العمارة والفنون الجميلة. لم يعد الرسم مضيعة وقت، ولا هندسة الديكور حكراً على الإناث، كما كان يظن. علي، تلميذ من آلاف التلامذة، الذين تناقشوا مع مندوبين ومختصّين في قطاعات المهن والاختصاصات، خلال زيارتهم «المعرض» التوجيهي الثالث الذي ينظّمه «المركز الإسلامي للتوجيه والتعليم العالي» في قصر الأونيسكو، وتنتهي أعماله اليوم.
تقتصر فكرة المعارض التوجيهية على زيارة تلامذة الثانويات إلى أجنحة الجامعات، والسؤال عن الاختصاصات. غالباً ما يكون تأثير هذه المعارض طفيفاً، إذ إن دقائق قليلة في جناح كل جامعة لا تروي غليل التلميذ وأسئلته. لكن، طالت رحلة التلاميذ هذا العام داخل «المعرض التوجيهي». فقد جرّبوا اختبارَي الشخصية والذكاء، وتحدّثوا مع مندوبي المهن قبل وصولهم إلى قسم الجامعات.
بكلمتين، اكتشفت مروة يزبك نوع شخصيتها: اجتماعية، يرغب أصحابها في مساعدة الآخرين وتعليمهم وإرشادهم. الكلمتان هما: أرغب وأستطيع. فهي ترغب في دراسة الحقول الاجتماعية والتربوية، وتستطيع، كما قالت، التعامل مع كل شرائح المجتمع، كما أنها قادرة على شرح فكرة تقتنع بها. نصحتها المرشدة التربوية بالتوجّه نحو قطاعات المهن ذات الطابع الاجتماعي، كالصحافة والتعليم والتمريض والإرشاد التربوي.
نزلت مروة مع زملائها إلى الطبقة الأرضية. الجهة الغربية مخصصة للقطاعات المهنية، وفي الجهة الشرقية، تتمركز أجنحة 25 جامعة. تتجه زميلة مروة نحو قسم هندسة الاتصالات، فيما تسير مروة بثبات نحو جناح الإعلام. تعرّض المختصّون في المهن لوابل من الأسئلة المتشابهة. أسئلة تعكس غياب التثقيف التوجيهي عند الطلاب، واهتمامهم بالمردود المادي للمهنة، وحصره في اختصاصات دون أخرى. مثلاً، توتر محمد سليمان حين عدّد له أحد الأطباء شروط النجاح في المهنة «تستمر دراستها 11 عاماً، ويحتاج الطبيب إلى فترة سنوات أخرى لتكوين شهرته بين الأطباء». انسحب التلميذ قائلاً لزميله «شو بدنا بهالشغلة، تعا نروح ع الاتصالات يمكن تكون أسهل وفيها شغل أكتر». تتكرر المفاجأة هناك: دراسة هندسة الاتصالات ليست سهلة، مكلفة، وتحتاج إلى مجهود مضاعف. لكن مندوبة مهن الاتصالات ترغّب الطلاب بالمهن المتعددة المرتبطة بالقطاع «من منكم لا يستخدم هاتفاً؟ ألا تستعملون شبكة الإنترنت يومياً؟ في سوق الإعلام يحتاجون إلى هذا الاختصاص. فرص العمل كثيرة» كما تقول. تسرّ مندوبة جناح الآداب واللغات إلينا «كثير من التلاميذ لا يكترثون للآداب، ويقولون إن مصير طلابها هو التعليم فقط. أفكارهم مغلوطة نسعى إلى تحسينها. نؤكد لهم دائماً أن العمل باختصاص أدبي مدخوله جيد أيضاً». يدور جدل بين المحامي محمد خضر والتلميذة سهى الحاج. تسأله: «أنا فتاة ملتزمة دينياً، ودائماً يقال لنا إن مهنة المحاماة لا تجوز شرعاً». تفتح جدلاً يجذب العديد من التلامذة حولها. يبتسم خضر مجيباً «القانون المدني في لبنان يوافق العرف، والعرف يوافق الشرع. أنا مثلك متديّن، والقضايا التي لا نتسلّمها هي فقط: دعاوى الدفاع عن تجار ومتعاطي المخدرات، دعاوى الآداب، وجنايات القتل المتعمّد، ونتسلّم القضايا الأخرى». وكأنّ إجابته أزالت حملاً ثقيلاً يشغل بالها، تقول لزميلتها «إذا هيك القصة بدي أدرس حقوق». في الجهة الشرقيّة من المعرض، يتعرّض مندوبو الجامعات لوابل من الأسئلة أيضاً، مستوحى من ورقة أسئلة يقدمها منظّمو المعرض لترشد التلميذ الى ما يفيده في مرحلة اختيار الاختصاص. ما هي اختصاصات الجامعة؟ نظام الدراسة وعدد الأرصدة وثمن الأقساط؟ يجيب مندوبو الجامعات بحسّ إعلاني مبرّر، لتوضيح كل المعطيات أمام التلاميذ. لحظة المغادرة تكون حافلة بالملفات، فقد وزّع المركز لكل تلميذ، ملفاً مفصلاً بكل الاختصاصات وتوزّعها في الجامعات، وقد بدا واضحاً اهتمام المنظّمين بجناح الجامعة اللبنانية، لناحية حجم جناحها وموقعه في مدخل المعرض. لكن ما بدا لافتاً أكثر، هو غياب أي ممثل عن وزارة التربية في حفل الافتتاح على الرغم من «إرسال الدعوات إلى الوزير والمدير العام للوزارة ورؤساء المصالح» كما يقول مدير المعرض هشام شحرور. هل تغيّب المدعوّون من الوزارة بسبب انشغالهم بالعرض العسكري للجيش قرب وزارتهم، أم أن افتتاح وزير الاتصالات شربل نحّاس للمعرض هو السبب؟