هل يقَرّ قانون الحد من التدخين مبتوراً؟ هذا ما تشي به كواليس مجلس النواب الذي أقر بعد مخاض دام ٦ سنوات مسودة مشروع القانون تمهيداً لعرضها على الجلسة العامة. الأرجح أنّ من سيتناول علبة السجائر لن يشاهد صورة للبناني من أصل عشرة يموتون يومياً بسبب التدخين. كان هذا شرط شركات التبغ التي نجحت حتى اللحظة في إمرار مخططها للحفاظ على اكبر قدر من المبيعات


بسام القنطار
«أنجزنا إقرار موادّ القانون». هذه كانت بشارة النائب سمير الجسر إلى «الأخبار». ألقاها وهو يسرع باتجاه قاعة الوست هول في الجامعة الأميركية في بيروت، بعدما وصل متأخراً الى حفل الاستقبال الذي أقامته أمس مجموعة البحث للحد من التدخين في الجامعة، وجمعية حياة حرة بلا تدخين. يرأس الجسر اللجنة الفرعية التي انبثقت عن لجنة الإدارة والعدل لمناقشة مشروع قانون الحد من التدخين. وهو مشروع عالق في أدراج مجلس النواب منذ عام ٢٠٠٤، بعد أن تقدم به رئيس لجنة الصحة النيابية عاطف مجدلاني. شهد القانون مذّاك تعديلات جوهرية بضغط من مشروع الحد من التدخين في وزارة الصحة والجمعيات الأهلية ليتناسب مع مقتضيات الاتفاقية الدولية لمكافحة التبغ التي صادق عليها لبنان منذ عام ٢٠٠٥، ولم يلتزم بإقرار تشريعات وطنية تتلاءم مع أحكامها. وهو بذلك يتشارك مع ثلاث دول فقط في العالم في عدم إقرار تشريعات وطنية تتلاءم مع المعايير الدولية التي تعتمدها منظمة الصحة العالمية.
عند مدخل القاعة، في الأماكن المخصصة لتناول بعض المكسرات والكافيار، عمد المنظّمون الى وضع نماذج من علب دخان فارغة من بلدان عدة بينها مصر وسوريا وايران واوستراليا تظهر التحذير الصحي المصور الذي يحتل مساحة ٤٠٪ من علبة السجائر من الجهتين الأمامية والخلفية. تهامَس النواب المشاركون حول سر وضع هذه العلب إلى جانب الفستق الحلبي والكاجو، يشي بأنهم يعرفون جيداً القصد من هذه الدعاية المضادة التي أراد المناضلون لإقرار القانون ايصالها. فلقد علمت «الأخبار» أن «الإنجاز» الذي تحدث عنه الجسر المتمثل بإقرار مشروع القانون في اللجنة الفرعية، تضمن حذف المادة المتعلقة بوضع إعلان تحذيري مصوّر على العلبة، محيلاً مسؤولية إقرارها بمرسوم تنظيمي الى وزارتي الصحة والمالية، بحجة أن إقرار الصور التحذيرية في متن القانون، يشجع عمليات التهريب عبر الحدود البرية مع سوريا!
إنه لوبي صناعة الدخان ومورديه ينجح مجدداً في الحد من قوة القانون، الذي يفترض بممثلي الشعب أن يرفعوا ايديهم بالمصادقة عليه في اول جلسة تشريع تعقدها الهيئة العامة لمجلس النواب.
بمرارة يشرح احد الأطباء المتابعين لمشروع قانون الحد من التدخين، كيف أن شركات التبغ جاءته قبل ٥ سنوات وقدمت عرضاً مغرياً: «تنازلوا عن موضوع الصورة التحذيرية على العلبة فنتعهد أن يصادق مجلس النواب على القانون في غضون شهرين». يومها أجاب الطبيب: «لن نقبل بذلك. الصور التحذيرية اساسية في الحد من التدخين لأنها تؤثر في اللاوعي الإنساني. سيقر القانون كما نريد». يسأل الطبيب: «هل سنندم لأننا لم نستمع لنصيحة شركات التبغ؟». اختارت منظمة الصحة العالمية التحذيرات التصويرية لتكون الموضوع الرئيس لليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 2009 ، لكون هذه التحذيرات المسندة بالصور مهمة، وخصوصاً في الدول النامية التي تنتشر فيها الأمية بنحو كبير. ورأت المنظمة أن هناك العديد من الفوائد تتمثل في التحفيز على الإقلاع وترك التدخين، كما أن التحذيرات المصوّرة ذات الحجم الكبير من شأنها زيادة الوعي الصحي بمخاطر التدخين حتى بين الأميين الذين لا يقرأون، كذلك الأطفال، كما تقلل من جاذبية علب التدخين التي تنفق شركات التبغ الملايين لجعلها اكثراً جذباً، وخصوصاً بين المراهقين.
إلى الوست هول، حضر أمس العديد من النواب الذين يمثلون مختلف الكتل النيابية. بين الحضور نواب من كتلة التغيير والإصلاح، أما كتلة المستقبل فحضر منها الى جانب مجدلاني عمار حوري وأحمد فتفت، وحضر أيضاً عبد اللطيف الزين عن كتلة التنمية والتحرير. وبين الحضور وزير الصحة محمد خليفة والمدير العام للوزارة وليد عمار.
كان واضحاً أن النواب يشعرون بأنهم في حفل تكريم على إنجازهم إقرار مسودة القانون. لكن الوجوه المبتسمة (عمار حوري خصوصاً) سرعان ما تبدل محياها عندما أعلنت رانيا بارود، من جمعية حياة حرة بلا تدخين، اسماء رؤساء الكتل النيابية التي وقعت على عريضة لدعم إقرار قانون الحد من التدخين. أول الموقعين كان النائب ميشال عون في ١٤ حزيران الماضي. يعلو التصفيق في القاعة ويبتسم نواب كتلة التغيير والإصلاح بالخبر السعيد. تلاه النائب وليد جنبلاط في ٢٢ حزيران. تصفيق أخف في القاعة مع ابتسامة واسعة ترتسم على وجه النائب هنري حلو. النائب محمد رعد وقع العريضة في ١٢ تموز باسم كتلة الوفاء للمقاومة، تصفيق خجول مع همسات ومزاح: «يتمثلون بإيران التي تتشدد في الحد من التدخين». التوقيعان الأخيران كانا لسامي الجميّل باسم كتلة الكتائب والنائبة ستريدا جعجع باسم كتلة القوات اللبنانية. يبتسم النائب نديم الجميّل مع تنويه من بارود إلى أنه من اكثر الداعمين لإقرار القانون. «تتساءلون اين تواقيع باقي الكتل؟» تسأل بارود. وتجيب: «لقد حاولنا مراراً طلب موعد من الرئيس نبيه بري للحصول على توقيعه لكننا لم نوفق في ذلك. اما الرئيس فؤاد السنيورة الذي اطلع على نص العريضة، فقد طلب مهلة لدرس الملف قبل التوقيع كي يجري دراسة حول مدى تأثير القانون على الخزينة العامة وجباية


رفض الرئيس فؤاد السنيورة توقيع العريضة بحجّة درسه أثرها الضريبي
الضرائب!». تعلو القهقهات في القاعة، لكنها سرعان ما تتوقف. النائب مجدلاني يقاطع بارود ويطلب الحديث: «كتلة المستقبل من اكثر الداعمين للقانون وسنصادق عليه في مجلس النواب». تجيب بارود: «نأمل ذلك لكننا نريد قانوناً قوياً». تطالب العريضة التي وقعتها أيضاً بعض نقابات المهن الحرة وجمعيات أهلية وشركات وقضاة وأفراد، بإقرار قانون عصري وفق المعايير التي وضعتها منظمة الصحة العالمية، وأن يتضمن نصاً صريحاً يمنع التدخين منعاً تاماً وشاملاً في الاماكن العامة المغلقة وتطبيقه ضمن مهلة لا تتعدى الستة اشهر من حين إقراره، مع لحظ اماكن غير مغلقة للمدخنين وفق المعايير الدولية. وتطالب العريضة بمنع الإعلان عن مختلف منتجات التبغ في الوسائل الاعلامية كلها، المرئية والمسموعة والمكتوبة والانترنت، وبمنع الرعاية الاعلانية على مختلف اشكالها لمنتجات التبغ. والأهم وضع تحذير صحي مصور على ٤٠٪ من مساحة علبة السجائر والمعسل والتنباك من الجهتين الخلفية والامامية.
وتشير معلومات النواب الحاضرين الى أن اللجنة الفرعية أقرّت النقاط الاساسية في العريضة، وتبقى مسألة الصورة التحذيرية عالقة. فيما أكد النائب غسان مخيبر أنه سيسعى «لإعادة نص المادة المتعلقة بالصور أثناء مناقشة لجنة الادارة والعدل للنص النهائي». أما د. غازي زعتري، من الفريق البحثي في الجامعة الأميركية، فقال إنه يشعر بالخجل أثناء تمثيل لبنان في مؤتمرات منظمة الصحة. «علبة الدواء تتضمن شرحاً وتحذيراً لمضاعفاتها، اما علبة السجائر القاتلة فنحتاج الى ميكروسكوب لنقرأ التحذير الخجول الذي تتضمنه. يختم زعتري بوصية لنواب الأمة بأن «يضمنوا وجود صورة تحذيرية على علبة التبغ».


١٠ أشخاص يموتون يومياً

تفيد إحصاءات الجامعة الأميركية في بيروت بأن ٣٥٠٠ لبناني يموتون سنوياً بسبب التدخين. أي بمعدل ١٠ أشخاص يومياً، وأن ٨٠٪ من الاولاد و٥٣٪ من الرضّع مدخنون سلبيون ومعرّضون لكل انواع الامراض التي يسببها التدخين، وأن ٦٠٪ من المراهقين اللبنانيين بين ١٣ و١٥ سنة يتعاطون التدخين، وخصوصاً النرجيلة، في مقابل ٦٪ فقط لهذه الفئة العمرية في بريطانيا، وأن ٩٠٪ منهم يتأثرون بإعلانات منتجات التبغ المباشرة وغير المباشرة.
وزير الصحة محمد خليفة (الصورة) طلب خلال اللقاء وقف الجدل حول تأثير الحد من التدخين على الاقتصاد، مستشهداً بدراسة الجامعة الاميركية التي أعلنت أن خسائر الدولة اللبنانية من جراء التدخين تبلغ ٥٥ مليون دولار سنوياً. وشدد خليفة على اهمية تنفيذ العقوبات والغرامات التي ينص عليها القانون في حالة المخالفة، منوّهاً بالإجراءات الجديدة لرادارات السرعة معلقاً على ذلك بالقول: «اثناء مروي عبر اوتوستراد الجنوب الاسبوع الماضي شعرت انني في دولة اوروبية».