«السنة المقبلة في القدس»، تلك هي المقولة التي رددها يهود أوروبا في أحيائهم الضيقة مدة ألفي سنة في عيد الفصح. مقولة تختصر أهدافهم السياسية التي لا يحدها زمن. ومطالبة إسرائيل اليوم بحيّ الأرمن واليهود إنما هو تذكير بمخططاتهم التي وإن احتاجت إلى عقود، لكنها لا تموت.

عملية تهويد القدس بدأت بعد أيام من الاحتلال الإسرائيلي لها. فحينها هدمت سلطات الاحتلال حارة المغاربة، التي يعود عمرها لنحو 900 عام على رؤوس سكانها، وكان الهدف توسيع ساحة حائط المبكى، وهو الحائط الغربي للمسجد الأقصى، وبدأت هذه السلطات حفريات غير شرعية مستمرة حتى الآن. وفي الأسبوع الماضي، افتتحت في المكان ما سمته «المبكى الصغير»، وما هو إلا تهويد لمعلم إسلامي يعرف باسم «رباط الكرد». وأخلت سلطات الاحتلال سكان حيّ الشرف، وشردتهم، وسيطرت على المتاجر العربية القديمة ومنحتها لتجار يهود، وبات اسم الحيّ «الحيّ اليهودي». ثم استثمرت سلطات الاحتلال ملايين الدولارات في منطقة باب المغاربة (حائط المبكى) وحيّ الشرف (الحيّ اليهودي) وجعلتهما أفضل أحياء القدس. يحوي الحيّ عدداً هاماً من معالم المدينة المقدسة، وخصوصاً الرومانية، مثل شارع الكاردو الذي يوصل إلى كنيسة القيامة. عمليات ترميم القدس، تأهيلها وتهويدها حولت منطقة باب المغاربة إلى غيتو في وسط القدس القديمة. غيتو ملاصق لأسوار المسجد الأقصى، الذي لم تتأخر سلطات الاحتلال في تحويل بعض معالمه إلى ثكنات عسكرية مثل المدرسة التنكزية، وهي أثر مملوكي هام. وامتد الغيتو الإسرائيلي خارج الأسوار، جنوباً إلى بلدة سلوان، التي تُقدم إسرائيلياً، باعتبارها مدينة داوود، رغم أنه لا دليل ينسبها إلى ما ورد في سفر الملوك عن الملك داوود، حيث تجري واحدة من أكبر عمليات تزوير للتاريخ. ويوم الثلاثاء الماضي، افتتح الإسرائيليون نفقاً رومانياً من بركة سلوان إلى ساحة باب المغاربة (المبكى)، بعد عمل استمر سبع سنوات. أما بالنسبة إلى القدس الغربية، فعمليات الترميم لم تتوقف هناك أيضاً، وخاصة في «قلعة القدس» التي أطلق عليها الإسرائيليون تسمية «قلعة داوود»، وهي تقع في منطقة باب الخليل المفضي إلى داخل القدس الغربية. وكانت السلطات قد استثمرت في السنوات الماضية أموالاً طائلة في ترميم منطقة باب الخليل وتأهيلها، لتحويلها إلى مركز المدينة بهدف توحيد القدسين الشرقية والغربية وربطهما بحيّ سلوان وفقاً للمفهوم الإسرائيلي ـــــ اليهودي، أي إعادة بناء مدينة القدس على نحو ما وصفتها بعض أجزاء الكتاب المقدس، التي لم يعثر عليها إطلاقاً. وهنا تأتي مشكلة الحيّ الأرمني الفلسطيني. فهو العائق الوحيد في عملية التوحيد هذه؛ لأنه يصل أحد جزءي المدينة بالآخر، وهو لا يخضع لسيطرة إسرائيلية. وحيّ الأرمن من أهم أحياء القدس القديمة على الإطلاق. فالأرمن الفلسطينيون أدوا دوراً بارزاً في تاريخ مدينة القدس الثقافي والاجتماعي والحياتي والسياسي، من خلال تجمعهم في هذا الحيّ الذي يمثّل ما يشبه دويلة صغيرة صمدت طوال قرون رغم أنواء السياسة، ووقوع الحيّ على جبهة القتال العربية ـــــ الإسرائيلية عام 1948. الوجود الأرمني في فلسطين قديم، ويعود إلى عصور المسيحية الأولى، وإلى ما قبل اعتناق ملك أرمينيا تيريداد الثالث المسيحية عام 301 م؛ فثمة دلائل مسجلة تشير إلى أنه في عام 154م انهمك مطارنة الأرمن مع غيرهم من القدس والإسكندرية في تحديد الأماكن المقدسة التي كانت لها صلة مباشرة بنشاطات المسيح، وفي تشييد المباني الضخمة للحفاظ على كنوز المسيحية الأولى. وأهم معالم الحيّ الأرمني، دير مار يعقوب، الذي يعدّه البعض أول كنيسة في التاريخ. وكان مار يعقوب المطران الأول لتلك الكنيسة، وهو يدعى في الإنجيل الأخ الروحي للمسيح.
يشغل دير مار يعقوب، سدس مساحة القدس القديمة، ويضم داخله كاتدرائية ومواقع تاريخية وبنايات وقاعات ومكاتب ومعهداً للاهوت ومتحفاً وأضخم ثاني مكتبة أرمنية للمخطوطات في العالم، وأقدم مطبعة في القدس، تأسست عام 1833م. وكان الأرمن قد حصلوا خلال الحروب الطويلة التي عرفتها القدس على عدة مراسيم اعتراف بهم وبحقهم في هذا الحيّ. أول مرسوم أتى من الخليفة عمر بن الخطاب الذي عدد حقوق الكنيسة الأرمنية وامتيازاتها في الأراضي المقدسة، حرصاً على حمايتها وسلامتها. ولأن الأمور لم تكن دائماً سهلة، أصدر السلطان المملوكي الظاهر أبي سعيد محمد قراراً منقوشاً على حجر على المدخل الرئيسي لدير مار يعقوب يجدد فيه حقوق الأرمن ويختمه بالقول: «ملعون ابن ملعون وعليه لعنة الله تعالى من أحدث ضماناً أو جدد مظلمة». وتشترك الكنيسة مع الروم الأرثوذكس والرهبنة الفرنسيسكانية في حماية الأماكن المسيحية المقدسة، وكانت مقراً واسعاً للحجاج الأرمن الذين يتبعون التقليد بالحج في القدس على الأقل مرة واحدة. فعلى مرّ العصور زار هذه البطريركية ملوك وأمراء محملون هدايا أغنت متحفها بقطع فريدة. لكن في حزيران 1967 انقلب الواقع، والدير لم يعد يؤوي حجاجاً، بل مشردين، وحوّل الاحتلال الإسرائيلي اتجاه السفر، فبدل قدوم الأرمن إلى القدس، باتوا يهاجرون منها بكثرة طلباً للأمان والاستقرار.