أسامة العيسة

لكن، منذ أن بدأ عيناتي يروّج لنظريته، تحوّل الموقع إلى مقصد سياحي مهم، منسوباً إلى قصة الخروج، واكتشف عيناتي خلال حفرياته آثاراً تعود إلى العصر الحجري القديم والعصور البرونزية، من بينها معابد، وأعمدة وبقايا قرى ومبانٍ، وتبيّن لعيناتي أن جبل العديد كان مركز عبادة مهماً جداً للأمم السابقة، واستعار وصفاً من الإرث الإسلامي ليقول إنه كان بمثابة «مكة» لتلك الشعوب، على مدار حقب ممتدة. ومنذ عام 1983، بات يُقال إن جبل العديد هو جبل سيناء المذكور في سفر الخروج. وجزم عيناتي بأن جبل موسى في سيناء هو الجبل المقدس فحسب بالنسبة إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وبأن هذا التقليد يعود إلى الفترة البيزنطية. ومثلما يحدث مع هذا النوع من الباحثين، يتحول ما يعدّه كشفاً محوراً لحياته، ويجعل الآثار التي تظهر في خدمة هدفه وتأويله. وما زال البحث في الموقع مستمراً لتأكيد أنه جبل سيناء، وفي هذه الأثناء لا يتأخر عيناتي عن إطلاق حملات البروباغندا حول الموقع في هذا الإطار.
وإذ وجد عيناتي نفسه، في مواجهة النقد الذي وجّهه إليه باكراً علماء آثار إسرائيليّون رأوا أن الدلائل الأثرية التي عثر عليها على الجبل لا تتوافق مع الفترة التاريخية لخروج بني إسرائيل المفترض من مصر، اضطر إلى اللجوء إلى عملية تأويل ليست جديدة على علماء الآثار الكتابيين، واقترح أن فترة الخروج حدثت فعلاً لكنها مبكرة بنحو ألف عام عمّا حُدّد سابقاً. أي ما بين 2200 و2000 قبل الميلاد، وليس 1313 ق. م، وفقاً لما هو سائد في الأدبيات الكتابية.
ولم تكن هذه المعضلة الوحيدة التي واجهت عيناتي، ففيما كان يروّج لنظريته، كان علم الآثار في إسرائيل يتطوّر. وتترسخ قناعة لدى جزء مهم من علماء الآثار الإسرائيليّين، مع استمرار التنقيبات، بأنّ قصص العهد القديم، ربما لا تعدو كونها أساطير. لذا، فإنه لم يواجه نقد علماء الآثار الكتابيين وحسب، بل نقد آخرين أيضاً، أمثال البروفسور زئيف هرتسوغ، الذي كتب قبل سنوات أنه بعد هذه العقود من الحفريات فإن علماء الآثار توصلوا إلى «استنتاج مخيف: الأمر مختلف من الأساس. فأفعال الآباء هي مجرد أساطير شعبية. ونحن لم نهاجر إلى مصر ولم نرحل عن هناك، ولم نحتلّ هذه البلاد، وليس هناك أي ذكر لإمبراطورية داوود وسليمان. والباحثون والمختصون يعرفون هذه الوقائع منذ وقت طويل، لكن المجتمع لا يعرف».
أمام هذه المعارضة في إسرائيل، من جانب التقليديّين والثوريّين، لم يبقَ أمام عيناتي سوى إطلاق سهمه الأخير، لتبني نظريته، وهو اللجوء إلى العالم الكاثوليكي. وقد صرّح أخيراً بأن الفاتيكان سيتبنّى نظريته، وبأنّ رجال دين كاثوليكاً سيَّروا رحلات حج إلى جبل العديد، تمهيداً لاعتماده رسمياً، باعتباره جبل سيناء المقدس. ولم يصدر ردّ فعل رسمي من الفاتيكان.