إسطنبول ــ أسامة العيسة

في الفناء الخلفي للمسجد، بنى سِنان، ضريحين: للسلطان الذي وصف نفسه على أسوار القدس بأنه ثاني سليمان في العالم، مقارناً نفسه بالملك التوراتي سليمان، باني القدس الأسطورية. وآخر لمحبوبته وزوجته خاصكي سلطان، أو روكسلانة.
يخضع المسجد لعملية ترميم واسعة، ويمكن الزوار والسائحين، زيارة الضريحين. ضريح سليمان أكبر وأبهى، وهو عبارة عن فناء دائري تعلوه قبة، مرتفعة من دون أعمدة ظاهرة، والجدران الدائرية مُزينة بالأشكال الهندسية. قبر روكسلانة مغطى ومحاط بإفريز خشبي خطّ الفنانون باللون الأزرق آيات ومأثورات دينية عليه، تجعله يبدو كأنه جدار دائري واحد. ومع الزمن أضيفت قبور نسائية أخرى إلى جانب روكسلانة، ولكن لا أحد يذكرها. قبر روكسلانة هو الأكبر والرئيس، والضريح ضريحها.
في كل أعماله أراد سِنان تحدي آيا صوفيا. الجوهرة البيزنطية في إسطنبول، التي كلّف الإمبراطور جستنيان لبنائها أشهر مهندسيه. وعندما انتهى وقف وقال: يا سليمان. لقد تفوقت عليك، كان يخاطب الملك سليمان. ولم يعرف أن سليمان آخر سيأتي ليتحداه بمهندسه سِنان، ليبني له السليمانية تحفة فنية، لا يكف المعماريون عن المقارنة بينها وبين آيا صوفيا. منهم من ينحاز لجوهرة البيزنطيين التي تحولت إلى مسجد وهي الآن متحف، ومنهم من يقف مذهولاً أمام عبقرية سِنان، الذي مزج في تحفته فنوناً مختلفة، وجعلها تجسيداً لتثاقف الحضارات، وجلب مواد لبنائها من بلدان الإمبراطورية. فقطر قبة السليمانية يبلغ 26.50م وارتفاعها 53م، أقلّ بنحو متر عن قبة آيا صوفيا، ولكن قبة الجامع، ليست الوحيدة فيه، فهناك قبب أخرى أصغر تبرز منه. إنها حيلة سِنان، لدعم المبنى الذي تنيره أشعة الشمس، التي تدخله من 128 نافذة ذات زجاج ملون، إضافةً إلى أربعة آلاف قنديل. مآذن المسجد الأربع هي منارات، لراكبي البحر، لها عشر شرفات، ترمز إلى السلطان سليمان، رابع سلطان بعد محمد الفاتح، وعاشر سلطان منذ نشوء الإمبراطورية العثمانية.
وارتبطت بعض الطرائف ببناء هذا الصرح، إذ يُروى أنّ العمل توقف في السليمانية لسبب ما، فظن الشاه الفارسي أنّ ذلك يعود لأسباب مادية، فأرسل كمية كبيرة من المجوهرات، ما أغضب ثاني سليمان في العالم، فطلب من سِنان وضعها بين الحجارة. وهناك من يعتقد الآن بأنها مخفية تحت إحدى المآذن الأربع. ومن المعروف أن السلطان سليمان اختار بنفسه موقع تشييد السليمانية، وجرى الاحتفال بوضع الحجر الأساس، بعد استشارة المنجّم، الذي أجرى حساباته الفلكية وأبلغ سيده يوم السعد.
والسليمانية، ليست مجرد مسجد، بل مُجمّع، يشهد على تطور مفهوم العمارة الإسلامية، ويضمّ مدارس للدين ومشافي للأمراض العقلية، ومطاعم، وحمامات وداراً للكتب، تضم الآن عشرات الآلاف من المخطوطات، وخانات... وتحوّل جزء من هذه المنشآت إلى مقاه وأرصفة ومطاعم.
يبدو ضريح سِنان، متواضعاً، بجانب عظمة السليمانية، وهذه هي حيلته الأخيرة. ينام نومته الأبدية في ضريح صغير يُظهره مميزاً أكثر، ستجعل الآخرين يتوقفون، ينتبهون، يقارنون بين التواضع والعظمة. لقد نسج سِنان أسطورته بنفسه، هو الذي بنى 400 معلم امتدت في قارات ومدن وبلدان كوّنت يوماً ما إمبراطورية واحدة.