جاد نصر الله


يتردّد على لسان بعض منظمي مهرجان «الانتصار» حكاية مفادها بأن مسؤولاً أمنياً رسمياً حضر بالتكليف من وزارة الداخلية إلى «حزب الله» لأجل التعاون في عملية تنظيم الحفل. وفي نقاش الإجراءات بين الطرفين، سألت القوى الأمنية اللبنانية عن أقرب نقطة عليها أن تكون فيها، فأتاها الجواب: «بعيداً، عند الجبل...».
تعكس هذه الرواية واقع الحال التنظيمية في حزب المقاومة، والقاعدة التي يعمل وفقها من الناحية الأمنية لضمان سلامة عناصره ومحازبيه: كل شخص مشكوك بأمره إلى أن يثبت العكس. فالثقة لا تُمنَح، بل تنتزع بالقوة. والجهد الذي يجب بذله من قبل أفراد لا يتفاعلون ضمن دائرة القرار لنيلهم الرضا وكسب الود، ليس بالأمر اليسير. وعملاً بهذه المعطيات تم التوصل إلى نوع من اكتفاء ذاتي استغنى به جهاز الحزب عن أي خدمات خارجية، لا بل أبدى في بعض الأحيان استعداداً لتقديم المعونة ووضع خبراته في تصرف الدولة اللبنانية في الشق الأمني، إن هي طلبت ذلك.
تبدو ساحة النصر في ساعات الليل التي سبقت تدفق الناس إليها، خالية إلا من بعض العاملين والحراس. التجول في المكان ليس مسموحاً لأي كان. تجهيز المنصة يجري بهدوء، ولا يفترض أن يصل إلى خواتمه إلا قبل دقائق معدودات على ظهور «السيد». الإجراءات تقتضي عدم العجلة. التروي والصبر والتكتم على التفاصيل عناصر نجاح المهمة. أمور بسيطة لكنها كافية لتحمي شخصاً بحجم أمين عام المقاومة.
على طول الواجهة تبحث في نظرك عن فتحة في الأرض، أو كوّة في جدار، عن أي شيء يمكن لخيالك الاعتقاد بأن السيد سوف «ينسلُّ» منه، أو يساعدك في رسم سيناريو خروجه إلى الهواء الطلق ثم دخوله إلى عزلته. تتجوّل كثيراً ولا تجد شيئاً. مجرد ستائر ضخمة تُسدل على طول الحائط، ويجلس عند طرفها بعض الرجال يتسامرون ويضحكون. تلقي تحية بشكل عادي قبل أن تنتبه، متأخراً، إلى أنهم أجنحة السيد نصر الله، حراسه الشخصيون، ذات اليمين وذات اليسار، العابسون دوماً في حضور سَيِّدهم. طيفه يحوم في المكان. ينتابك إحساس بأنه قريب، وقريب جداً.
تغيب الملامح عن وجه «أبو علي» أثناء العمل. اختفت لحيته العزيزة على قلبه في الحرب، واليوم عادت لتنبت من جديد. أُجبر هو وطاقمه على حلقها بعد أن أُعطوا إجازات يمضونها بعيداً من «السيد» في الحرب، لأسباب أصحابها أدرى بها. «ولمَ لا نضحك، نحن بشر أيضا» يقولها مستغرباً حصره في صورة مسرفة في الجدية.
السعادة بادية على وجه «حبيب السيد»، وقد استأنف عمله الأساسي. تخبره عن هدفك من الزيارة، تعلمه بأنك سوف تحضر غداً. تفوز بوعد منه أن يسهل مهمتك. «جِدني، وسوف أضعك في المكان المناسب». تسأله إن كان سوف يتذكرك. ينقلب حاله ويشعر بالإهانة. فالوضع بدا أشبه بمن يسأل حرفياً عن أدوات مهنته. كان لا بد من الحضور الباكر في يوم الاحتفال. عشرات من أصحاب البذلات السوداء والرمادية والقبعات الملونة التي لا تليق بالهندام يزرعون المكان. محازبون لا تلتقطهم الكاميرات عادة. رجال تحسب أنك لمحتهم قبلاً في أمكنة أخرى وفي مناسبات عادية! سلاحهم عيونهم. لكل منهم زاوية خاصة لتوزيع نظرات قاسية تتلبسها البرودة.
من الغباء في حال كهذه الذهاب للسؤال عن «أبو علي» لمطالبته بتنفيذ الوعد الذي قطعه. لا أثر للمخرج الذي سوف يظهر منه نجم الاحتفال. في لحظة مفاجئة، تشكل مجموعة من الشبان ممراً صعب الاختراق. يحرسون ما يبدو أنها يد ملوحة للأعلى. يخرج «السيد» من المكان الأكثر اكتظاظاً والأقل توقعاً في حسابات الجميع. يحمله شابان ويرتفعان معه إلى المنصة التي نصبت على عجل قبل دقائق خلت، ولم يفهم أحد السبب. إنّه السيد، وعلى يساره أبو علي عابساً، فرحاً في العودة إلى العمل مجدداً.