جاد نصر الله


يسير عزمي بشارة فوق الأنقاض في شوارع الضاحية الجنوبية من دون أن يفاجأ بما لحق بها من خراب. الصورة عتيقة في ذاكرته. يستمع إلى شرح النائب علي عمار. لم يَبدُ أنه ينصت إليه جيداً، فهو لا يسمع جديداً. الكلام على القصف المنهجي للمباني السكنية وقدرة الآلة العسكرية الإسرائيلية على التدمير، يعرفه جيداً، ويمكن له أن يضيف عليه ويصحح للكثيرين إن سَهَت عن بالهم بعض التفاصيل. لكنّ عمّار تعاطى مع نظيره الفلسطيني كسائر ضيوف الضاحية التقليديين، أصحاب الياقات المرتبة وعلامات التأثر المبالغ بها أمام عدسات المصورين.
يعرف بشارة المكان جيداً، رغم أنه يجول على قدميه في مربعات ضاحية بيروت الجنوبية للمرة الأولى. الأرض المحروقة هناك يمكن لها أن تشبه أي زاوية في المناطق الفلسطينية بعد غزوة لجنود الاحتلال الإسرائيلي. تركض إحدى المتطوّعات بحماسة، تدسّ هاتفها المحمول بين الحشد مردّدة: «أريد صورة لعزمي». بات النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي شخصاً معروفاً ومحبوباً لدى شريحة واسعة من اللبنانيين. فلطالما ذاد عن المقاومة في لبنان ودافع عن حقها في حمل السلاح وحماية أرضها. فتحيّن أول فرصة مناسبة ليأتي على رأس وفد من «التجمع الوطني الديموقراطي»، ضمّ النائبين طه صالح وجمال الزحالقة، لـ«يتضامن بالتواضع المطلوب مع الشعب اللبناني في ما تعرض له من جرائم ضد الإنسانية».
لمجيء الدكتور بشارة إلى لبنان تبعات كثيرة، لن يكون أولها الحملة التحريضية التي بدأتها الصحف الإسرائيلية البارحة فور شيوع خبر «تسلّله» إلى لبنان. يقول للصحافيين المتجمهرين إنّ «العناوين في إسرائيل تحوّلت إلى مسألة قدومنا إلى هنا لمحاسبتنا على وقوفنا متضامنين مع الضاحية، في وقت صوّر مراسل يديعوت أحرونوت على أنه بطل حين كان في المكان نفسه». غالباً ما يأتي بشارة إلى لبنان ويذهب بهدوء. الطريق من فلسطين براً عسيرة. والعبور لا يأخذ شكله الطبيعي. لقد دأب طوال السنوات الماضية على خرق الحظر المفروض بالسفر إلى هنا. لحظة اجتيازه نقطة المصنع الحدودية، أمسك بالهاتف وبعث بخبر وصوله. «أنا أحتمي بالحصانة النيابية. بعد كل زيارة تتم ملاحقتي. من المؤكد أنّهم لن يفلتوني هذه المرّة. سيقضون عليّ». كان يمكن للقائه مع رؤساء البلاد الثلاثة أن يخفّف قليلاً من وطأة ما ينتظره عند العودة، لكنه للأسف حضر ولم يجد أحداً. «من سيقتنع الآن بأن حزب الله ليس من دبّر أمر مجيئي؟».
ومن الضاحية توجّه بشارة والوفد المرافق إلى دارة الرئيس سليم الحص. وبعد الزيارة، قال بشارة: «أودّ أن أؤكد على الإنجاز الذي تحقق والذي هو إنجاز لكل اللبنانيين، وأيضاً على الوحدة بين اللبنانيين وعلى عدم تدويل لبنان وقضيته، فهو لم يخسر الحرب، بل خرج رابحاً...». وأضاف: «لدينا رؤية لتقويم المجتمع الإسرائيلي لهذا المكسب اللبناني، والذي هو عنصر مفقود في الحوار الدائر في لبنان. فلو رأى البعض هنا حجم المأزق في إسرائيل لوفروا عليهم الكثير من النقاشات».