هادي قبيسي *

حركات التحرر، أو قوات العصابات كما سمّاها البعض، هي بنية عسكرية غير تقليدية تنشأ حين تعجز فئة اجتماعية أو سياسية عن امتلاك مقوّمات مواجهة خصم يملك جيشاً كلاسيكياً متفوقاً، وتلجأ إلى الاستفادة من اللاتماثل بين بنيتها وبنية العدو وتكتيكاته، ممّا يجعل المواجهة الميدانية معها غير فعالة ويدفع القوى الكلاسيكية إلى اعتماد سبل تستهدف جذور العصابات وعناصر قوتها غير المباشرة.
تستمدّ العصابات قوتها الحقيقية من جاذبية قضيتها وشرعيتها من جهة، ومن إثباتها لجدوى الصراع اللامتماثل مع العدو المتفوق. ومن دون تأمين شرعية وجاذبية القضية، لا تستطيع العصابات الاستمرار لتصل إلى مستوى إثبات الجدوى، ومن هنا يرى الجنرال تشانغ تينغ تشن، عضو اللجنة المركزية لعصابات ماوتسي تونغ، أن «الحرب الثورية تتكون من جزء سياسي يمثّل ثمانين في المئة من الجهد، وعشرين في المئة فقط للعمل العسكري».
ميدانياً، يتخذ هذا الصراع اللامتماثل شكل حرب استنزاف تتلافى عبرها العصابات الاصطدام الجبهوي المباشر مع الجيش الكلاسيكي، ما يدفع هذا الأخير، ونظراً لعجزه عن توظيف تفوقه في مواجهة مباشرة تسحق العصابات، إلى العمل بشكل غير مباشر أيضاً يستهدف قضية العصابات وشرعيتها من ناحية، وجدوى عملها العسكري من ناحية أخرى، هادفاً إلى تجفيف مواردها المعنوية والسياسية تدريجياً، لينعكس ذلك على الأرض في سياقين أساسيين: الأول إضعاف دوافع المقاتلين وإخمادها. والثاني فك ارتباط الجمهور بالعصابات ورفع الغطاء المعنوي والأمني الذي يوفره لها، وتجفيف أحد أهم مصادر الدعم اللوجستي، فتصبح مكشوفة وجهاً لوجه أمام القوى المتفوقة للجيش الكلاسيكي موظفاً في عمليات التطهير: الاستخبارات وسلاح الجو والقوات البرية.
ماذا يجري، ضمن هذا المنظور، في قطاع غزة؟ سؤال يدفعنا للإجابة عنه، استخدام الإعلام العربي المتواطئ لما يسمى الخبراء العسكريين والاستراتيجيين في حربه النفسية ضد المقاومة الفلسطينية. ثمة فشل في ضرب وتجويف قضية المقاومة ولذلك يتم التركيز، بطريقة رئيسية، على منعها من إثبات جدوى استراتيجيتها القتالية بشتى السبل والوسائل. لننظر في تفصيل هذه المقاربة منهجياً، كي تتوضح صورة المعركة ونكشف عنها بعضاً من غبار الحرب، اعتماداً على النظرية التي تحكم الجيش الكلاسيكي في مواجهته للعصابات، مقارنين بينها وبين التطبيق الميداني.
المبدأ الأول في هذه النظرية، تجويف القضية. تترفع عنه تكتيكات أساسية أربعة: تفكيك الشرعية، والالتفاف، والتلويث وفتح صراعات جانبية. تفكيك شرعية المقاومة في فلسطين أمامه عقبات جمة، حيث أثبتت قدرتها على الاستقطاب في المرحلة السابقة من خلال التفاف الجمهور حولها كممثل للمطلب الوجودي الدفين لدى شعب فلسطين الطامح للاستقلال والتحرر، أما من الناحية القانونية والرسمية، فقد كان انخراط المقاومة في العملية الديموقراطية سبباً في توجيه السهام إليها عبر إقالة حكومة إسماعيل هنية واعتبارها غير شرعية دون أن يؤدي استعمال عبارة الحكومة المقالة أو غير الشرعية في الإعلام العربي المتواطئ، وكذلك عدم اعتراف محمود عباس بها، إلى إضعاف نفوذ وتأثير تيار المقاومة في الداخل الفلسطيني، بل العكس تماماً، فقد دفعت الحرب أطرافاً إقليمية ودولية، مضطرة، إلى التحاور مع المقاومة والاعتراف بها عملياً.
الالتفاف، وهو التكتيك الثاني، ويعني محاولة تقديم جزء من مطالب جمهور المقاومة وشعبها بهدف إخماد دوافع الحركة التحررية وتعاطف جمهورها. والتطبيق الرئيسي لهذا التكتيك من جانب العدو الإسرائيلي، هو عملية السلام المصطنعة التي فشلت، طوال السنين الماضية، في تظهير الاحتلال كياناً يمكن التعايش معه، فيما استقطب المشروع الجذري للمقاومة جمهوراً واسعاً يتزايد باستمرار.
حالياً، وفي وسط المعركة، يجري الالتفاف على مطالب المقاومة بتقديم جزء منها من خلال القرار الدولي الذي يقضي بوقف إطلاق النار من دون فتح المعابر، غير أن تجربة الحصار الطويلة والمؤلمة لا تسمح لأبناء غزة بالتساهل في قبول العودة إليها، ما أعطى المقاومة دعماً في موقفها الرافض لهذا القرار.
التكتيك الثالث: التلويث، وهو يقوم على تحميل المقاومة مسؤولية الخسائر بين المدنيين، التي تحصل نتيجة رد فعل الجيش الكلاسيكي الإسرائيلي على نشاطها العسكري. لا توجد أرضية مناسبة لهذا التكتيك بحيث يخدم مبدأ إضعاف جاذبية ومشروعية المقاومة، حيث إن الجيش الإسرائيلي يقاتل على أرض يحتلها منذ ستين سنة، ووجوده عليها هو اعتداء ابتدائي بحد ذاته، مما يحمله مسؤولية كل ما يحصل.
التكتيك الأخير في مبدأ تفكيك الشرعية، هو فتح الصراعات الجانبية، أي إدخال المقاومة في نزاعات داخلية بما يؤدي إلى فقدان ثقة الشعب بها وتخفيف الضغط العسكري عن العدو الكلاسيكي. وقد مارست إسرائيل هذه السياسة طويلاً في الأراضي المحتلة. لكن إفراغ المقاومة لقطاع غزة من القوى الداخلة في عملية السلام، والمؤهلة للقيام بهذا الدور، ساهم في توجيه مجهودها في هذه المعركة في اتجاه واحد.
المبدأ الثاني في النظرية، الأكثر أهمية في المعركة الدائرة اليوم، هو: تسفيه الجدوى، وذلك نظراً لعدم توافر البيئة المناسبة للاستفادة من المبدأ الأول. يساعد افتقار العصابات إلى السلاح والعتاد التقليدي والإمكانات العسكرية اللازمة، مقارنةً بالخصم الكلاسيكي، في تسفيه جدوى مجهودها الحربي، وبالتالي دفع مقاتليها وجمهورها إلى التذمر ثم إلى اليأس والتخلي عن فكرة المقاومة تدريجياً.
تندرج تحت هذا المبدأ التكتيكات التالية: الحرب النفسية، الإنجاز العسكري والأمني، الضغط على المؤيدين والمحايدين.
للحرب النفسية أشكال عديدة، لكنها في الصراع اللامتماثل تتركز، بشكل كبير، في نقطة إظهار عدم فعالية المجهود الحربي للعصابات. ويلاحظ المراقب للشاشة الإسرائيلية تركيزها على الصور التي تظهر سقوط صواريخ المقاومة في الأراضي الفارغة، وكذلك تكتم إعلام العدو عن الإصابات في صفوف القوات البرية الغازية بشكل كبير والإعلان أخيراً عن مقتل ثلاثمئة مقاتل من المقاومة الفلسطينية.
لكن معاناة إسرائيل من نقطة ضعف هامة، تمنعها من استغلال تكتيك الحرب النفسية بشكل فعال، ذلك أن مجتمعها لم يعد مؤهلاً لتحمل تكاليف الصراع مهما صغر حجمها، وهو أمر يعرفه الجميع بما فيه الجمهور الفلسطيني، وخلفه الجمهور الإسلامي والعربي العريض المؤيد للمقاومة، ما يجعل استهداف معنوياته من هذه الناحية أمراً غير فعال نسبياً.
توظف الآلة العسكرية في خدمة المسار السياسي للحرب اللامتماثلة، فيستخدم التفوق التقني والكمي في تحقيق إنجازات محدودة متلاحقة تخدم الأهداف السياسية، نظراً لتعذر سحق المقاومة عسكرياً.
والإنجاز العسكري والأمني الجزئي والتكتيكي هو أسلوب إسرائيل الحالي بعد فشل استراتيجية «الصدم والترويع» في كسر المقاومة رغم ضرب مقارّ الشرطة وسائر بنيتها التحتية. غير أن الجيش الإسرائيلي عجز حتى الآن عن تحقيق إنجازات تكتيكية جدية لسببين: الأول عسكري، والآخر أمني سنشير إليهما عند الحديث عن البعد العسكري للحرب في غزة.
تحول الجزء الأكبر من المجهود الحربي الإسرائيلي نحو المدنيين كمخرج وحيد لأزمته الاستراتيجية النظرية والعملية، معتمداً على تكتيك الضغط على المؤيدين والمحايدين وتكبيد المجتمع خسائر تضاهي إنجازات المقاومة ليشعر بعدم جدواها بل بمردودها المعاكس، فيتحول الجمهور المؤيد إلى الحياد والجمهور المحايد إلى العداء للمقاومة والمساهمة، بالتالي في كشفها شعبياً والأهم رفع الغطاء الأمني عنها. اتخذ هذا الضغط شكلاً دموياً تجزيرياً، يفوق كل تصور، استُعملت فيه الأسلحة الفتاكة المحرمة دولياً، لكنه عجز حتى الآن عن دفع الجمهور إلى حيث يريد، رغم ضغط الإعلام العالمي والعربي المتواطئ، يساعدهما محمود عباس، على الجمهور الفلسطيني باتجاه التخلي عن المقاومة التي «تدمر شعبها»، وذلك بسبب جذرية خيار المقاومة وثباته كحل وحيد لا بديل عنه للمشكلة الفلسطينية، وتلاحم الأواصر العاطفية والاجتماعية بين المقاومة وشعبها.
وكلما استطاعت الحركة التحررية القيام برد فعل مؤثر في العدو وتعطيل مبادرته، ازداد الالتفاف الشعبي حولها، وهذا ما يحصل حالياً في غزة. وقد أدت المجازر إلى ازدياد الحقد الشعبي على العدو الذي قتل الأطفال والنساء، يحيط به رأي عام عالمي وعربي مؤيد ينتظر بعطش هزيمة إسرائيل، فيما بقي حلف عرب الاعتدال، الذين أصبح يمكن تسميتهم «عرب الاعتداء» بعد هذه الحرب، مفرداً لا يملك إلا وسائل إعلامه.
المبدأ الثالث في النظرية هو توظيف التفوق العسكري بعد تمهيد البيئة السياسية بطريقة تؤمّن نجاحاً للجيش الكلاسيكي في الصراع اللامتماثل. يتركز هذا التوظيف في مجالات ثلاثة: الاستخبارات، سلاح الجو، عمليات التطهير. يرى الجنرال ديفيد بيترايوس، وهو الشخصية الأميركية المعاصرة الأبرز في ميدان مواجهة العصابات، أن «النجاح أو الفشل النهائي لأي عملية في مواجهة العصابات يعتمد على فعالية المجهود الاستخباري»، وذلك نظراً لاعتماد الحركة الثورية على التهرب من الاصطدام الجبهوي مع العدو ولجوئها إلى الاستنزاف والتخفي، قدر الإمكان، عن عيونه، بحيث يعجز عن تدميرها، كما يعجز الكلب عن مواجهة البرغوث، حيث أطلق البعض على حرب العصابات اسم: حرب البرغوث، الذي ينهك الحيوان بلسعاته الصغيرة، ويتكاثر في جلده حتى ينهار تعباً من ملاحقته.
تحاول العصابات إخفاء نقاط تموضعها ومخازن ذخيرتها وتكتيكاتها وتشكيلاتها وشبكة اتصالاتها وكوادرها. وقد استطاعت المقاومة في لبنان بناء مدرسة متكاملة في هذا المجال نقلها الشهيد عماد مغنية كما هي بعد حرب تموز إلى المقاومة الفلسطينية. في الجانب الآخر، يرتكز العدو الكلاسيكي في الاستخبارات على اختراق مجتمع العصابات وتجنيد أفراده كعملاء وعيون له. وعندما تكون العصابات ضعيفة من الداخل فإنه يحاول اختراق بنيتها، والهدف هو جمع المعلومات التي تمكّنه من ضرب كوادر المقاومة أو مخازن عتادها وسائر نقاط الثقل في بنيتها العسكرية المتخفية.
طالما استقطبت العصابات تأييد جمهورها، فإن العدو لن يتمكن من اختراقه اختراقاً كافياً، وسيكون المجتمع عيناً للمقاومة في مواجهة العدو، وإنّ فشل الجيش الإسرائيلي حتى الآن في استهداف نقاط ثقل حقيقية في بنية المقاومة يعكس تماسك العلاقة بينها وبين الجمهور الذي يغطيها، وهذه معضلة حقيقية تواجه إسرائيل حالياً. ويهدف الضغط الدموي الذي تمارسه، في جانب منه، إلى خلق مناخ مناسب للعمالة في مجتمع غزة... وهو ما لم ينشأ حتى الآن، وهذا هو العامل الأول في عدم تحقيق الإنجاز العسكري والأمني الذي أشرنا إليه سابقاً.
عمليات التطهير هي التكتيك الميداني الأساسي في مواجهة العصابات المتخفية عن عين العدو؛ فينبغي للجيش الكلاسيكي أن يدخل إلى مناطق انتشار العصابات وتركز ثقلها، ويفتش عن نقاط تموضعها في كل زاوية، ويخلق بذلك بقعاً آمنة بالنسبة إليه تتوسع تدريجياً بما يقود إلى الإجهاز على المقاومة. طالما لم يقم الجيش الكلاسيكي بعملية تطهير حقيقية، وفي ظل استمرار المقاومة في نشاطها محتفظة بالدعم الشعبي رغم المجازر والتدمير والتهجير وتسخير آلة إعلامية ضخمة، فإنه لا يمكن إنهاء المقاومة، وهذا ما حصل في جنوب لبنان في حرب تموز.
تكلف عمليات التطهير دماً لا تستطيع القيادة الإسرائيلية، التي ستواجه استحقاقاً انتخابياً عما قريب، تحمل تبعاته أمام جمهورها غير المستعد للتضحية نظراً لمعاناته من أزمة هوية أنتجت مشكلة على صعيد الدوافع. ورغم تسخير الإعلام الإسرائيلي خلال هذه الحرب للحديث عن جرأة وشجاعة وبطولات الجندي الإسرائيلي، فإن المشكلة عميقة ولا يمكن حلها من السطح؛ إنها مشكلة شرعية إسرائيل وحقيقة الانتماء إليها لدى الجيل الناشئ، ومبررات البقاء في بلد مهدد دائماً، مضافة إلى المشكلة الدينية والفلسفية في النظرة إلى الموت في الثقافة اليهودية. فشل الجيش الإسرائيلي حتى الآن في القيام بعمليات التطهير، وهو العامل الثاني في عجز إسرائيل عن تحقيق الإنجاز العسكري والأمني المشار إليه. ولو دخلت إسرائيل في عملية برية واسعة في غزة، فإن الخسائر التي ستتكبدها ستؤدي إلى هزيمة بائنة للجيش وانهيارٍ كليٍ للردع.
العنوان الأخير في الجانب العسكري والأمني، هو دور سلاح الجو الذي يعدّ أساسياً في مواجهة العصابات، لتفوقه العسكري وامتناعه على قدرات العصابات العسكرية الضئيلة، بحيث تعجز عن مواجهته. لكن سلاح الجو الإسرائيلي، بكل قدراته وتفوقه وتطوره التقني، لا يمكنه أن يدخل المعركة كعنصر فاعل فيها في ظلّ جفاف بنوك الأهداف الثابتة والطارئة نظراً للعقم الاستخباري الذي تجلى في حرب لبنان ويظهر حتى الآن في غزة، كعامل مركزي يحبط المجهود العسكري الإسرائيلي برمته. استطاع سلاح الجو أن يمثّل أداة لإرهاب الجمهور الفلسطيني وترويعه عبر المجازر والتدمير والتهجير، ولم يتخطَّ هذا المستوى.
أمام هذه المقاربة، يمكن الخلوص إلى ثلاثة عوامل رئيسية تمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها في غزة. الأول بروز مدرسة جديدة في حرب العصابات بعد حرب تموز انتقلت برمتها إلى المقاومة الفلسطينية بعد نجاحها في لبنان. والثاني أزمة الهوية في المجتمع الإسرائيلي التي جففت الدوافع القتالية لدى الجندي وإمكان تحمّل المجتمع للخسائر البشرية بما يمنع الجيش من القيام بعملية تطهير فعالة بعيدة الأمد. أما الثالث، فهو جذرية القضية الفلسطينية وقيام المقاومة كحل وحيد لها في نظر الجمهور الفلسطيني والعربي.
من هنا، يمكن القول إنّ إسرائيل قد غرقت في وحول لن تخرج منها إلا بهزيمة، فكما يقول هنري كيسنجر: الجيش التقليدي يخسر إذا لم ينتصر، أما العصابات، فإنها تنتصر إذا لم تهزم.
* مدير «مجموعة الخدمات البحثية»
(www.ipileb.com)