منذ أن تقلّد سلمان بن حمد، رسميّاً، منصب رئاسة الوزراء، خلفاً لعمّه الذي وافته المنية في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي على المستوى الداخلي في البحرين، لاستشراف العهد الجديد لمنصب شغره خليفة لخمسة عقود منذ عام 1971، وكان محمّلاً بسياسة كأداء تجرّع غصصها المواطنون جيلاً بعد آخر.

لوحِظ بروز مدوّنين وكتاب يبشّرون بتحسين الأوضاع على يَد سلمان بن حمد، وذهب بعضهم بعيداً في إعطاء جزم، بطرق غير مباشرة، عن فرص «الإصلاح» القادمة. وفي غمرة «الهرج» المتداول، حدّد بعضهم لسلمان الخطوات التي يجب أن يشرع بها، والبدء بإطلاق سراح المعتقلين على مراحل تدريجيّة، تمهيداً للدخول في مفاوضات وحوار مع المعارضة!
تطوّع أصحاب هذا الطرح، ومن تلقاء أنفسهم، بسرد «التحليلات» وإطلاق الأمنيات في الفضاء الإلكتروني. كل هذا حدث وابن حمد يخيّم عليه صمت القبور، دون أن يبدي من جانبه أيّ تفاعل أو اهتمام، حيث كان منشغلاً في إنجاح ترتيبات انعقاد سباقات «الفورمولا 1» في البحرين، وتثبيت العلاقات - وفي كل المجالات - مع الكيان الصهيوني، وصولاً إلى إتمام اتفاقية افتتاح السفارة الإسرائيلية في البحرين، ودعوة رئيس وزراء كيان الاحتلال، بنيامين نتنياهو، لزيارة البلاد.
وعوضاً عن تراجع تلك «التحليلات»، والتوقّف عن إعطاء جرعات الأمل الزائف، سلّت الأقلام من أغمادها وألقت اللوم على المعارضة تارة، وأطلقت نعوت الفشل على المعارضين غير المستبشرين بسلمان بن حمد تارةً أخرى. كل هذا، وكما ذكرنا، وسلمان غير مهتمّ بكل هذه السفسطة!
وحتى لا يقال إن غير المستبشرين بسلمان لا يملكون رأياً واضحاً، وليست لديهم القدرة على قراءة الواقع، والتحليل السياسي، والتفكير الموضوعي، فإن هذا المقال يفنّد الإشكالات التي طُرحت أخيراً. مع أهمية ألّا يتصوّر البعض أن المقال ينطلق من روح محبطة، ونفس متشائمة. أبداً؛ فنحن نعيش الأمل ونحمله، وهو ما يعطينا العزم على مواصلة المسير والثبات على الدرب، دون أن ننساق إلى الأوهام، ونكرّر تجارب الماضي، فنقع في الفخ مرّة بعد أخرى.
يبرّر المستبشرون - أو لنقل المتفائلون - في تحليلاتهم أنهم يتعاملون بما يتطلّبه الواقع، وهو الذي يأمر به العقل والحكمة، بدل الجمود والتصلّب على خيارات وقراءات لا تزيد الأمور إلّا تعقيداً، ولا تنعكس إلّا بمزيد من المعاناة. وتستخدم ورقة المعتقلين والضحايا بوصفها سبباً رئيساً يدفعهم إلى البحث عن أي مخرج، وبأقل الخسائر، ينهي المعاناة المستمرة لعائلات المعتقلين والمغتربين تحديداً. كما يتم التذرّع بزعم أن المعارضة لم تحرز تقدماً على مدى السنوات العشر الماضية، منذ عام 2011، وأنه لا يوجد مؤشر إلى أيّ تغيير إيجابي في أدائها في المستقبل المنظور. ولذلك، يعتبر تقلُّد سلمان بن حمد منصبه الجديد فرصة مؤاتية للمعارضة، لكونه شخصية «معتدلة» ومتطلّعة إلى البناء، ومنفتحة على مختلف الجهات، وغير ذلك من توصيفات تشجّع المعارضة وعموم الناس. أخيراً يقول هؤلاء: لماذا لا تمنحون سلمان الفرصة، فمِن الخطأ والظلم الحكم على سياسته قبل تجريبه!
للردّ على تلك الشبهات، نطرح الحقائق التالية لإجلاء الغمامة التي ربما شوّشت نظر البعض، حتى لا تُسطَّح المواضيع وتشوّش الذاكرة وتغيّب الحقائق. ونستهلّها بالرد على الإشكالية التي تقول: لنجرّب! فمَنْ قال إن سلمان لم يُجرَّب ويُختبَر ويثبت من خلال التجربة أنه لا يختلف عن الآخرين؟ وفي هذا أمثلة ومسائل كثيرة:
- أولاً: وجّه سلمان أوّل ضربة للجمعيات السياسية لإفشال مشروع العريضة الشعبية التي كانت تطالب بالإصلاح الدستوري في عام 2004. في ذلك الوقت، كان سلمان يحضّر لاستضافة سباقات «الفورمولا 1» للمرّة الأولى في البحرين، بينما كانت الجمعيات تعدّ لتدشين العريضة الشعبية. حينها، أرسل مبعوثه وطلب من الجمعيات السياسية إيقاف العريضة، واعداً إيّاها بالدخول في مفاوضات من أجل إصلاح الأمور. وبالفعل، استجابت الجمعيات لطلب سلمان كبادرة حسن نيّة على أمل الدخول في حوار يفضي إلى تسوية لتلك الأزمة. وما إن انتهت سباقات «الفورمولا 1» ذاك العام، حتى تفاجأت الجمعيات بتهديد وزير العمل آنذاك، سيد مجيد العلوي، بعدم السماح لهم بتدشين عريضة شعبية، بحجّة أن الموقّعين يجب أن يكونوا أعضاء رسميين في الجمعيات. وفي ذلك الوقت، أطلق الشيخ علي سلمان شعار «سجّلْ ثم وقّعْ». الخلاصة، أن سلمان نكث بالعهد، وأخذ ما يريد، ثم ترك للجهات الأمنية أن تتصرف، كما تشاء، في تضييق الخناق على تحركات الجمعيات.
- ثانياً: تولّى سلمان منصب مجلس التنمية الاقتصادية، وهو من المشاريع الرئيسة التي كانت تهدف إلى سحب البساط من تحت أقدام عمّه خليفة بن سلمان. المهم أننا لم نرَ من ذلك المجلس مردوداً على المستوى المعيشي للمواطنين، بل على العكس من ذلك؛ توسّعت، منذ ذلك الحين، مشاريعُ طمر البحر، وتضخّمت ثروة سلمان من خلال فتحه للاستثمارات في الجزر والسواحل التي حوّطها واستولى عليها. وكثيراً ما سمعنا عن مشاريع ورؤى ستنعش الاقتصاد، وترفع المستوى المعيشي للمواطن، وصكّت مسامعنا بالدعايات التي تحدثت عن «رؤية 2030»، ثم أعقبتها اسطوانة اكتشاف النفط الصخري! في المحصلة، ازدادت الأحوال المعيشية سواء، والاقتصاد تراجعاً. النتيجة هي إمّا أن يكون سلمان أثبت فشله الاقتصادي وعدم أهليته للقيادة، أو أنه أثبت فساده المالي، ذلك أن مشاريعه الخاصة لم تتضرّر، بينما ضاعت الأموال العامة نتيجة الفساد.

تستخدم ورقة المعتقلين بوصفها سبباً رئيساً يدفع المتفائلين إلى البحث عن مخرج يُنهي معاناة عائلاتهم


- ثالثاً: يتقمّص سلمان دور الرجل الطيب والمتفهّم والمنفتح على النقاش، ويتكامل هذا الدور مع الوجه الآخر الذي يبدي الغلاظة والقسوة في التعامل، وهي سياسة العصا والجزرة كما يُعبر عنها. هذان الدوران يشبهان تماماً ما يمارسه الجلّادون في غرف التعذيب، إذ يأخذ أحدهم دور الناصح للضحية من أجل دفعه إلى الاعتراف والتوقيع على الإفادات المعدّة سلفاً، أو إقناعه بالعمل جاسوساً حتى يحصل على الهبات والهدايا، وينجو من التعذيب. وفي حال أظهر الضحية ممانعة أو تردداً، يتولّى الجلاد مهمّة التعذيب لإرغامه على الرضوخ للطلب أو «النصيحة» التي وجّهها الضابط «الطيب».
وهذا ما حدث أيضاً في عام 2011 بعد تفجّر الثورة، إذ خرج سلمان يتحدّث عبر التلفاز بلغة الرجل «الناصح الأمين»، وأجرى اتصالات مع الجمعيات السياسية، وغازل المتظاهرين في الدوار، و... في تلك الأثناء كان النظام - وبمعرفة من سلمان - يخطّط للانقضاض على المعتصمين وارتكاب الفظائع. وإلّا لماذا ظهر سلمان بأنه صاحب قرار ومبادرة في بادئ الأمر، ثم توارى عن الأنظار بعد ذلك، وصمتَ صمت القبور؟ فإنْ قيل إنه مغلوب على أمره، فهذا يعني أن الأمور لم تتغيّر، إلى أن يختفي والده تماماً من المشهد؛ وإنْ كان عضواً في مجلس العائلة وصاحب كلمة، فلماذا صَمَت ولم يوقف نزيف الدم الهادر؟
وعليه، يخطئ تمام الخطأ مَن يعتقد بأن سلمان سيخرج عن نهج والده، ويعمل بخلاف سياسته. فدوره هو دور الحمل الوديع، لكنه - وبقية أفراد مجلس العائلة - كانوا يداً واحدة في ضرب الثورة والقضاء على المعارضين، وارتكاب كل الجرائم التي وصلت إلى حدّ انتهاك الأعراض وهدم المساجد.
- رابعاً: يتناسى البعض أن سلمان يلعب دوراً رئيساً في مشاريع خطيرة على السلم الأهلي والقومي والنسيج الاجتماعي، إذ يُعدُّ من أقدم المنظّرين والمتحمّسين لمشاريع الخيانة بالتطبيع والارتماء في حضن الصهاينة. والجميع يعرف أن هذا الأمر ينعكس سلباً على أمن البحرين ويعرّضها للخطر، فضلاً عن أنه يتنافى مع القيم العربية والإسلامية والأخلاقية التي يتمسّك بها شعب البحرين. وهذا يعني أن أيّ مشروع «إصلاحي»، حتى ولو في صورة شكلية سيتخذه سلمان، سيكون ملزوماً بالسقوط والتماهي والتعامل مع أدوات الصهيونية، والرضا والتسليم بهذه الخيانة العظمى التي تشكّل وصمة عار لا ينتهي.
- خامساً: لم يكن سلمان يشتغل بائعاً للخُضر في السنوات العشرين الماضية! فهو يصدر قرارات ويدير مشاريع، ويوجّه أجهزة الدولة، ويقوم بعقد صفقات تسليح، ويجري مباحثات تجارية وسياسية مع دول أجنبية. وعليه فلا يصحّ القول إنه كان معزولاً، ولم يكن بيده فعل شيء، بل هو أداة وعنصر رئيس في التأزيم، والفارق أنه كان يؤدي ذلك بلباس أنيق. وخلال السنتين الأخيريتين، وتحديداً بعد تعيينه نائباً لرئيس الوزراء، تولى شؤون الرئاسة في ظلّ تراجع الوضع الصحي لعمّه، وسحب صلاحياته بشكل تدريجي قبل أن توافيه المنية.
يذكّرني سلمان بجدّه الخامس عيسى بن علي، الذي حكم البحرين في عام 1869 وهو في الـ19 من عمره، وذلك بعدما قام عمه باغتيال والده في واقعة الرفاع وهرب ابن علي إلى الزبارة ثم أعاده الإنكليز إلى البحرين بعد إلقاء القبض على عمّه محمد الخليفة. تمّ الترويج لعيسى بن علي، آنذاك، بمقولات تشابه إلى حدّ كبير ما يتردّد الآن على أنه شاب منفتح ويختلف عن سلفه، وأنه هرب من بطش عمه ولديه توجّهات مختلفة وغيرها من الدعايات المضلّلة. ثم حكم عيسى بن علي البحرين لما يقارب 60 سنة، وهي أطول فترة لحاكم خليفي، وكانت من أسوأ الحقب، إلى أن تآمرت عليه عائلته والإنكليز، فضلاً عن السخط الكبير من قِبَل المواطنين الذين خرجوا في انتفاضات عديدة ضد سياساته الرعناء. وحتى لا نغرق في تفتيش التاريخ القديم، فإن تولّي حمد الحالي سدة الحكم خلفاً لوالده، بدأ بمظاهر شبيهة، ووعد بإصلاحات مثاليّة، مُظهراً تواضعاً ليس له نظير في بادئ الأمر، حتى قام الناس – من فرط فرحتهم واستبشارهم - برفع سيارته وهم يهتفون باسمه في جزيرة سترة، لكن سرعان ما بانَ قبحه وغدره ونقضه للعهد.
- سادساً: يشكّل تعيين سلمان لمنصب رئاسة الوزراء، في حدّ ذاته، رسالة واضحة من الحكم، مفادها بأن «السلطة في يدنا والشراكة السياسية أمر غير وارد بالمطلق». وعليه، فإن الأماني التي يمكن أن ينشدها المواطنون هي معالجة بعض الملفات الخدمية، وأقصى طموح مُتاح هو انفراجات أمنية، ولكن من دون أيّ حلّ سياسي حقيقي. فتعيين سلمان جوابٌ على مَن يطالب بالتداول السلمي للسلطة أو انتخاب رئيس الوزراء أو حتى محاسبته. ولا نحتاج إلى الاستفاضة في هذه النقطة لشدّة وضوحها.
- سابعاً: من السذاجة الاعتقاد بأن سلمان يمتلك مفاتيح الحلّ والعقد في البحرين، فلقد فرض نظام عائلته باستلاب سيادة البلد، منذ أن فتح الباب على مصراعيه للجيوش الأجنبية، وأصبح مرتهناً للمساعدات المالية المقدّمة من دول الخليج، وأخيراً الارتهان للكيان الصهيوني. فلم يعد في إمكان آل خليفة اتّخاذ أيّ قرار، حتى ولو كان في الشأن الداخلي، دون أن يحظى بمباركة من داعميه. فلو فرضنا جدلاً أن لدى سلمان نزعة نحو التغيير، فهو لا يستطيع أن يقوم بالتغيير الذي يميّز البحرين في نظامها العام عن الإمارات والسعودية، وهي دول تُحكم بنظام شمولي تكون فيه السلطة المطلقة للعائلة الحاكمة.

سيلجأ النظام إلى إطلاق سراح المعتقلين متى ما شعر أن ذلك يصبّ في مصلحته


وعلى رغم وجود الشواهد والإشكالات التي تدور حول سلمان أو أيّ شخص يتقلّد منصب رئاسة الوزراء في ظلّ نظام آل خليفة القائم على الحكم الشمولي، يتمّ تداول ملف السجناء، ويدفع الكثير في اتجاه العمل على رفع معاناتهم على أقل تقدير. لكنّ البعض يبرّر، في سبيل ذلك، استخدام لغة الاستجداء والاسترحام ليتفضّل، بعد ذلك، رئيس الوزراء بمكرمة أميرية ويعفو فيها عن السجناء!
ومع التأكيد على أهمية ملف السجناء، ووجوب العمل على تحريرهم، وتقديم العون المادي والمعنوي لعائلاتهم، إلّا أن ذلك بالتأكيد ليس مبرّراً لإراقة ماء الوجه والظهور بصورة المذنب المستغفر الذي يطلب العفو والرحمة من سلمان! للعائلات حريتها وحقّها في الأساليب التي تراها مناسبة ومتوافقة مع رغبة السجين في خلاصه، لكن ليس من حقّ النشطاء أو المتصدّين أن يرسلوا خطاب الاستسلام بذريعة العمل على رفع معاناة المعتقلين.
المسألة التي لا بدّ أن تكون حاضرة أثناء الحديث عن المعتقلين هي أن هؤلاء الأحبة دخلوا السجن لأنهم كانوا يريدون أن يكونوا كرماء وأن يشعروا بإنسانيتهم في وطنهم، وهم سجناء أبرياء، ومن الظلم في حقّهم وفي حقّ ملف معاناتهم أن يقوم أحدهم، أياً كان، وبعد كل هذه السنوات، ليقلب الحقائق ويُظهرهم بصورة المجرمين، ويُظهر الجلاد بصورة الأمير المتفضل الرحيم. ففي ذلك جريمة أخرى وظلم مضاعف.
لست أشكّك في أن النظام سيلجأ إلى إطلاق سراح المعتقلين متى ما شعر أن ذلك يصبّ في مصلحته، دون الحاجة إلى أيّ مناشدة. فبإمكانه أن يستخدم قانون «العقوبات البديلة» ليظهر أنه المبادر، أو يعنونها بمنح فرصة للمعتقلين ليُقال إنه نظام إنساني ورحيم، وغيرها، لكنّنا لسنا مضطرين لأن نعطيه ثمناً أو اعترافاً باطلاً، هو لم يطلبه أصلاً. التجربة تعلّمنا أن النظام، إذا كان يريد الإبقاء على السجناء، فلن يعبأ بالمناشدات ولو صدرت من عليّة القوم، وإن كان مضطراً لتفريغ السجون، فسيُقدم على إطلاق سراحهم دون مطالبته بثمن.
وفي ظلّ وجود تحليلات توحي باحتمالية إطلاق سراح بعض السجناء، فمن المهمّ لفت الانتباه، هنا، إلى أن هذا الأمر إنْ حدث، فهو بالتأكيد لا يُعتبر حلاً حقيقياً أو انتقالاً سياسياً نحو التغيير المنشود. فمجرد إطلاق سراحهم، لا يوفر ضمانة بعدم إعادة اعتقالهم من جديد؛ إلّا إذا تلازم ذلك مع تغيير سياسي جدّي، وهو ما لا توجد له بوادر كما أشرنا آنفاً.
بالعودة إلى أصل الموضوع، نجدّد التذكير بأهداف الثورة التي تفجّرت في عام 2011، حيث الحاجة ماسة إلى تنشيط الذاكرة، حتى ترتسم من جديد أمام أنظارنا الجرائمُ التي ارتكبها النظام، لنصل بعد ذلك إلى نتيجة بديهية يدركها الجاهل قبل العاقل، وهي أن ما قدّمه الشعب من تضحيات لا يجوز بيعه بثمن بخس، أو أن يتم نكرانه والتغاضي عنه. كما أن تجاربنا التاريخية تعلّمنا دروساً مهمّة للغاية، أبرزها خطأ العودة إلى المربع الأول بالقبول بالحلول الشكلية أو الترقيعية أو التنازل عن المطالب. وتاريخ البحرين يُظهر لنا أن سبب نشوب التظاهرات والتضحيات في كل عقد، هو بسبب الأخطاء التي وقعت فيها القيادات بقبولها بمثل تلك التخريجات القاتلة.
أخيراً، فقد تمّ طرح التداول السلمي للسلطة - بحسب ما جاء في وثيقة المنامة - باعتباره أدنى خيارات المعارضة، وأن العدول عنه هو تراجع، وليس مراجعة. وعلى صعيد الخيارات الثورية، فإن هذا التيار الممانع - بحسب فهمي - يزداد يقيناً بصوابية منطلقاته، حيث نرى النظام يُمعن التفريط في سيادة الوطن، ويذهب بعيداً ليجعل البحرين ساحة مفتوحة للصهاينة، وهو أمر يزيد من الإصرار على الثبات والعمل على اقتلاعه، وعدم اليأس والتقهقر أمام جبروته المصطنع.
ولسنا نشكّك، ونحن على مقربة من الشمعة العاشرة للثورة المباركة، بأن النظام الخليفي أيضاً يشعر بالضعف، وهو يتهاوى مع الأيام، حيث لا تتوفّر له سلطة مالية، ولا موقع سياسي مهمّ، ولا قوّة عسكرية حقيقية، ولا شرعية شعبية، وأنّ جلّ ما يملكه هو دعم وغطاء خارجيان، ولعمري لم يدم أو يخلد نظام يعتاش على مساعدة الخارج وإنْ عمّر. «ومن نعمّره ننكسه في الخلق».

* ناشط سياسي بحريني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا