بعد طول مناورة، رُسمَ خطٌ واضح لمسار العلاقات السعودية ــــ الإسرائيلية، تجلّى في لقاءٍ يُقال إنه جَمَع وليّ العهد محمد بن سلمان إلى رئيس حكومة العدوّ بنيامين نتنياهو في نيوم، برعاية وحضور وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. زيارةُ هذا الأخير للمنطقة، قبل أسابيع قليلة من تَسلُّم الإدارة الديموقراطية الجديدة مهمّاتها رسميّاً، بدت محدَّدة الهدف: دفع قاطرة التطبيع مع إسرائيل قُدُماً، لتشمل هذه المرّة جائزة كبرى تؤشّر إلى استكمال قوس المطبّعين في موازاة تشكُّل "حلف عربي ــــ إسرائيلي" لمواجهة أيّ خطوات من شأنها أن تُبدِّل الوضع القائم. ركض البيت الأبيض خلف إبرام صفقةٍ من هذا الوزن، أو على أقلّ تقدير تدعيم أسسها قبل مغادرة دونالد ترامب منصبه، يشي بنيّة وضع إدارة جو بايدن أمام أمر واقع يُكبِّل مساعيه إلى إحداث تغييرات في السياسة الأميركية، مختلفة عن تلك التي أرسى الرئيس المنتهية ولايته دعائمها في المنطقة.

بانضمام الإمارات والبحرين، ولاحقاً السودان إلى "اتفاقات أبراهام"، لم يبخَل ترامب بدعواته المتكرّرة السعودية إلى ضرورة اللحاق بركب المطبعين "في الوقت الملائم"، فيما عَدَّ عرّاب "صفقة القرن"، جاريد كوشنر، انضمام المملكة "حتميّاً". يدور السؤال، راهناً، حول توقيت الخطوة وقرار الإعلان عن اللقاء عبر قنوات غير رسمية. هل بات الوقت ملائماً للإفصاح عن العلاقات السريّة، وسداد الأثمان التي أرادها ترامب في مقابل حماية حليفه ابن سلمان مِن ورطَتَي حرب اليمن واغتيال جمال خاشقجي؟ أم أن ما أُخرج إلى العلن لا يعدو كونه إشارة إلى الرئيس الأميركي المنتخب تفيد بأن اتجاه التطبيع ليس مرتبطاً بإدارة في حدِّ ذاتها، ويمكن أن يستمرّ من بعد ترامب؟ لم يتقبّل الرئيس الأميركي الخاسر فكرة الهزيمة أمام مرشّح ضعيف، تتمحور جلّ طموحاته حول استنساخ تجربة باراك أوباما وسياساته إن كانت الداخلية أو الخارجية، في عالم لم يَعد يشبه ذاك الذي كان يوم غادر هو ورئيسه الحكم. إصرار ترامب على المضيّ قُدُماً في تطبيق سياساته، ووضع الفخاخ للإدارة المقبلة، في ظلّ الحديث عن احتمال إطلاق حملته الانتخابية لرئاسيات 2024 في نهاية العام الجاري، يُرجِّح إقدامه على إحداث مفاجأة من الوزن الثقيل. مفاجأةٌ يأمل أن تكبّل يَدَ القادم إلى البيت الأبيض، الساعي إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني مع إدخال بعض التعديلات في متنه. لهذه الغاية تحديداً، يرى مراقبون أن لقاء ابن سلمان ــــ نتنياهو ــــ بومبيو لن يؤدّي بالضرورة إلى تطبيع مباشر، لكنه يجيء للدلالة على إظهار موقف موحّد ضدّ إيران.

الجبير: لا أتوقّع تغييراً كبيراً في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية


بالنسبة إلى بايدن، الذي بدا مرحّباً ومسروراً بخطوتَي أبو ظبي والمنامة التطبيع مع تل أبيب، أكّد، سلفاً، أن إدارته ستبني على ما سلف لضمّ مزيد من الدول إلى المسار الذي افتتحه ترامب، كما ستعمل على تعزيز هذه العلاقات وتطويرها، تحت عنوان "حلّ الدولتين". جلّ المسألة يدور حول وضع إدارة بايدن المتمسّكة بـ"إرث أوباما" أمام أمرٍ واقع جديد أسّست له إدارة ترامب. واقع سيتحتّم عليها قبوله، وخصوصاً أن أحلام الحزبَين الجمهوري والديموقراطي تتحقّق بالفعل: إسرائيل مقبولة في المنطقة، بينما تتهافت الدول العربية الأساسية الحليفة لواشنطن للتطبيع معها. وترى هذه الدول أن إيران تمثّل الأزمة الوحيدة في الشرق الأوسط، ما يوجب التكاتف والتنسيق لمواجهتها بـ"حلف عربي إسرائيلي" يخشى العودة إلى سياسة المهادنة و"ربط النزاع". تريد إدارة الرئيس المنتهية ولايته أن تسير الإدارة المقبلة على نهجها حيال ملف إيران، وأن تواصل بذلك حملة "الضغوط القصوى" عليها، بحسب مسؤول أميركي رافق بومبيو في جولته الخارجيّة. "لا يخفى على أحد أن الإدارة تركّز، منذ عدة سنوات، على حملة الضغوط القصوى هذه ضدّ إيران"، والتي حقّقت "نجاحاً هائلاً" أدّى فعلياً إلى "حرمان النظام من مليارات الدولارات" التي ذكر المسؤول أنها كانت ستذهب إلى الجماعات المسلحة الموالية لطهران في المنطقة. ويأمل هذا المسؤول أن "يتمّ استغلال هذا النفوذ الذي عملت الإدارة جاهدة لتحصيله بهدف حمل الإيرانيين على التصرّف كدولة طبيعية". غير أن وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، عادل الجبير، لفت في حديث إلى "سي إن إن"، السبت، إلى أن المملكة تتعامل مع رئيس الولايات المتحدة "كصديق سواء كان جمهورياً أو ديموقراطياً... لدينا مصالح ضخمة مع الولايات المتحدة، ولا أتوقع أنه سيكون هناك تغيير كبير في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية". في جولته التي بدت وداعية، أصرّ بومبيو على التطرّق إلى ضرورة مكافحة "نفوذ إيران"، محذّراً من أنه "في الأسابيع والأشهر المقبلة، سنفرض عقوبات جديدة على إيران". وبحسب المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، فإن "هذه الإدارة موجودة حتى 20 كانون الثاني/ يناير وستواصل تنفيذ سياساتها حتى النهاية".
يسعى ترامب إلى تأسيس مجموعة مرتكزات تشير إلى أن كلّ ما يمكن أن تحصده الإدارة الجديدة هو نتاج ما زرعه بنفسه، وأن أيّ "انقلاب" من قِبَل بايدن على "العقوبات القصوى" أو "اتفاقات أبراهام" أو كلّ ما يتعلّق بمسار التطبيع، سيعني أن إدارته "محابية" لإيران، ومستعدة للانقلاب على شركاء واشنطن الاستراتيجيين في المنطقة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا