لم يهدأ مسؤولو الإمارات طوال "اليوم التاريخي" أمس. انتشروا على مختلف وسائل الإعلام للحديث عن أهمية اتفاق التطبيع مع إسرائيل، و"فوائده الكثيرة" في منطقة مضطربة، تريد الإمارات، ومعها جحافل المطبّعين، إعلاء شأنها بعيداً عن "الضجيج ولغة التخاطب القديمة، وسياسة الكراسي الشاغرة، والمقاومة الملتوية، والصراع الأبدي، لأن الناس تعبوا وسئموا". قرّرت أبو ظبي أن تضع نفسها، فجأةً، في موضع الناطق باسم شعوب المنطقة، مدّعية معرفة أين تكمن المصلحة العليا لهؤلاء، ورافضة، كالبحرين ومن ورائهما السعودية، الاعتراف بأنها فعلت ما فعلته من أجل لا شيء، ومن دون مقابل حتى.

وكأنّ العالم سيتغيّر بالفعل بعد الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر، تاريخ التوقيع على "اتفاقات أبراهام"؛ حاولت الإمارات، على لسان مسؤوليها، الإيحاء بأن الخطوة التي خطتها، إنما ستعيد تصويب الرؤى من جديد، في اتجاه "سلامٍ" ترى أن لا خلاص من دونه. وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، كان "أفضل" مَن سوّق "رؤية" بلاده في مقالة كتبها لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، بعنوان "بيس. شالوم. سلام". وضع الوزير أولويات السلام على الشكل الآتي: الحدّ من التوترات في المنطقة، وتعزيز دائرة مجتمع التعايش السلمي، وتعزيز التبادل الاقتصادي والثقافي، فضلاً عن كون تحقيق تقدّم على طريق إقامة الدولة الفلسطينية سيمثّل "الهدف المركزي للسلام"، مذكّراً بأن المعاهدة التي وقّعها، يوم أمس، "أوقفت" مخطّط الضمّ. هذه "الفكرة" التي سوّقت الإمارات للتطبيع تحت عنوانها، توقّف عندها، أيضاً، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، الذي يبدو "الالتزام بتعليق الضمّ واضحاً جداً" بالنسبة إليه، إذ يعتقد أيضاً بأن "وجود الولايات المتحدة كوسيط وكمحاور يؤكّد حقاً أن هذا التعليق حقيقي وطويل الأمد"، إلى جانب كونه "سيضع حداً لتقويض حلّ الدولتين"، "وسيخلق ديناميّات وإمكانات جديدة في عملية السلام"، على حدّ تعبير سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة.

ابن زايد: لتغليب الفرص الإيجابية والشعور بالتفاؤل على روح الصراع والانهزاميّة


حقّقت الإمارات "اختراقاً دبلوماسياً تاريخياً، وعلامة مفعمة بالأمل تؤكّد أن التقدم في الشرق الأوسط ممكن"، بحسب ابن زايد الذي ينظر إلى توقيع الاتفاق على أنه "فرصة لمقاربة جديدة لمواجهة تحدّيات المنطقة (...) وتغليب الفرص الإيجابية والشعور بالتفاؤل على روح الصراع والانهزاميّة"، مشيراً إلى إيران ومحور المقاومة اعتبر أن "التغلُّب على هذه القوى التي تحرّض على الصراع سيكون صعباً. هناك دول غير عربية وقوى فاعلة غير حكوميّة في محور ملتوٍ للمقاومة الدائمة". هؤلاء بالنسبة إليه، "يدافعون عن شكل ما من أشكال التطرف، ويشعرون بالحنين إلى الإمبراطوريات المفقودة أو الهوس بخلافة جديدة. إنهم يبنون ويزدهرون على الصراع والفوضى وعدم الاستقرار. إنّهم يهاجمون أميركا وإسرائيل والإمارات". لكن "الردّ المناسب" على هذا المحور جاء "هذا الأسبوع بتوقيع اتفاق السلام. وهو التذكير البنّاء بأن الإماراتيين والإسرائيليين، وجميع شعوب الشرق الأوسط، سئموا الصراع". على المنوال نفسه، لفت العتيبة في شريط مصوّر نشره عبر "تويتر"، إلى أن "الناس تعبوا مِن العقلية القديمة، كما سئموا الصراع". الأولوية الأكثر إلحاحاً، كما يراها ابن زايد، تكون بتهدئة التوترات وبدء حوار إقليمي حول السلام والأمن، لأن بلاده تريد "جيراناً عاديين". ولبلوغ هذا الهدف، لا بدّ من "معاهدات عدم انتشار الأسلحة النووية (...) ومعاهدات عدم التدخل في شؤون الآخرين". وعن تعزيز دائرة ما سمّاه "مجتمع التعايش السلمي"، تحدّث عن أن "المقاومة الدائمة والتطرّف الطائفي أدّيا إلى انتشار جائحة قاتلة من الفوضى والفتنة على مدى عقود". ويبقى أخيراً "بناء محرك قويّ للتبادل الاقتصادي والثقافي يولّد الفرص والتفاهم بين جميع دول المنطقة"، إذ "تعتبر المنطقة الممتدّة من شبه الجزيرة العربية عبر الخليج إلى البحر الأحمر عبر قناة السويس إلى شرق البحر الأبيض المتوسط​​، ملتقى طرق العالم. يجب على الإمارات وإسرائيل استخدام اقتصاداتهما المتقدّمة وبنيتهما التحتية والأسواق الكبيرة وصناديق الاستثمار والمؤسسات التعليمية ورأس المال البشري، لضمان استفادة الأردنيين والمصريين والفلسطينيين وغيرهم". وأخيراً، يبقى أن "تحقيق التقدم على صعيد الدولة الفلسطينية هدف مركزيّ أيضاً"، داعياً القيادة الفلسطينية إلى استغلال "هذه اللحظة لإعادة رسم استراتيجيتها والاستعداد لإعادة الانخراط في مفاوضات مثمرة".
عن هذه المقالة، قال قرقاش إنها تعبّر بشفافية عن توجّه الإمارات الواضح لوضع أسس مستقبل يرتكز على "تغليب أهداف السلام والاستقرار والازدهار في منطقة عانت وتعاني من الأزمات واقتتال المحاور". وفي لقاء صحافي عقده في دبي، دافع قرقاش عن الاتفاق، مجدِّداً القول إنه "ليس موجّهاً ضدّ أحد"، وآملاً أن "يؤدّي هذا الأمر إلى تحوُّل نحو خفض التصعيد في المنطقة، وأن يؤدي إلى تحوّل نحو الحوار والتواصل، وفهم أن سياسة الاستقطاب كانت كارثيّة حقاً للمنطقة وشعوبها". وقال: "نشعر أن هناك حاجة إلى اختراق استراتيجي"، لكنّه "لن يحدث بين عشيّة وضحاها"، مشدِّداً على أن سياسة الدول العربية "في عدم التواصل مع إسرائيل لم تؤدِّ في الواقع إلى حلّ النزاع وتلبية تطلعات الشعب الفلسطيني". واعتبر أن "العبء الأكبر كان الحاجز النفسي (...) لكنني أعتقد أنه بمجرّد أن تدرك أن ما كنت تفعله على مدار سنوات عديدة لم ينجح، وبمجرد أن تتّخذ هذا القرار لكسر هذا الحاجز، فإن كل شيء آخر يصبح أكثر قابلية للتعامل معه".

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا