سرعان ما عادت المياه إلى مجاريها. تقدَّم محمد بن سلمان الجميع، متوسطاً الصورة الجماعية لزعماء «مجموعة العشرين». إلى يمينه، وقف جابي الأموال السعودية، دونالد ترامب، فيما استقرّ (المُضيف) رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، إلى يساره. بدا المشهد بمثابة تعويض عن تهميش عاناه وليّ العهد خلال القمة الماضية، حين كانت قضية اغتيال جمال خاشقجي لا تزال تؤرّق زعماء العالم. لكنّ وقتاً طويلاً مرّ على قمة بيونس آيرس (تشرين الثاني/ نوفمبر 2018)، التي أعقبت حادثة القنصلية (تشرين الأول/ أكتوبر). وقتٌ بدا كافياً لمحو «جروح» الماضي.

هذه السنة، غاب الارتباك عن سلوك ابن سلمان، مع غياب المطالِبين بكشف المتورطين الحقيقيين في عملية الاغتيال. خرقت الأجواءَ الهادئة مطالبةُ مقررة الأمم المتحدة الخاصة، أغنيس كالامارد، القادة المجتمعين في أوساكا اليابانية، بالضغط على السعودية لتحمّل «المسؤولية الكاملة» عمّا وصفته بأنه «قتل برعاية الدولة». «أنا مصمّمة على أن قتل خاشقجي هو قتل برعاية الدولة، وليس جريمةَ قتل مِن تنفيذ مسؤولين مارقين كما تزعم السعودية. لذلك، مِن المهم أن تصرّ الدول التي ستحضر قمة العشرين على أن تتحمّل دولة السعودية المسؤولية كاملة عن القتل»، قالت كالامارد. تصميم لم يلقَ آذاناً، على رغم أن خلاصات تقريرها في شأن ملابسات جريمة قتل الصحافي السعودي كانت واضحة: الجريمة كانت متعمّدة ومدبّرة، وابن سلمان متورّط. لكن أغنيس التي طالبت بتحقيق دولي، سرعان ما تلقّت رداً من المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة في جنيف، عبد العزيز الواصل. الأخير وصف التقرير بأنه «يقوم على الأفكار المختلقة والمنحازة مسبقاً». ولهذا السبب، «نرفض أيّ محاولة لإخراج ذلك (الملف) من نظامنا القضائي الوطني في السعودية، بغضّ النظر عن الشكل الذي سيتخذه ذلك».

يعقد ترامب وابن سلمان لقاءً يُتوقّع أن تكون إيران في صلب جدول أعماله


مع الانتقال إلى تفاصيل الحدث الدولي، فإنّ أحداً لم يعد يبالي بما حدث العام الماضي. ما حصل انتهى ببساطة. ظلّل ودُّ الرئيس الأميركي، ابن سلمان. مصافحةٌ وحديث سريع وصورة تذكارية لقادة «العشرين» سبقت انطلاق أعمال القمة. «تبادل الودّ» لا بدّ أن ينسحب على لقاءٍ مقرر بين الرجلين اليوم، يُتوقّع أن تكون إيران في صلب جدول أعماله. لقاءٌ سيعقد في وقت يواصل فيه «الشيوخ» الأميركي مساعيه لعرقلة صفقات أسلحة بمليارات الدولارات إلى السعودية (وهي مساعٍ يُرجّح أن تصطدم، مجدداً، بفيتو رئاسي). لكن تلك الضغوط لن تتجاوز سقف قاعات الكونغرس، وبالتالي لن يكون الرئيس مضطراً، كما حصل خلال القمة الماضية، إلى إلغاء لقائه بولي العهد، تلافياً للضغط الداخلي.
أما بريطانيا، ممثلةً برئيسة وزرائها المستقيلة تيريزا ماي، فستدعو إلى ضرورة تهدئة الوضع في الخليج. و«ستستغلّ رئيسة الوزراء الفرصة لبحث قضايا إقليمية مهمة مع وليّ العهد السعودي (اليوم) بما في ذلك ضرورة تهدئة التوتّر في الخليج، وأن تدعم كل الأطراف عملية إنهاء الصراع في اليمن». الجملة الأخيرة، التي باتت لازمةً تكرّرها ماي للضرورة كلّما ظهر أمامها ابن سلمان، تتزامن مع قرار محكمة الاستئناف البريطانية القاضي بتعليق منح تراخيص جديدة لتصدير أسلحة إلى السعودية قد تستخدم في حربها ضدّ اليمن، والذي قابلته الحكومة بكثير من الغلوّ، مؤكدةً أنها ستطعن فيه. لقاءٌ آخر سيجمع ولي العهد بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لمناقشة زيارة الأخير المقررة للمملكة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، التي أُعلنت خلال قمة «العشرين» الماضية، حين كان بوتين وحده يتبادل ابتسامات عريضة مع الأمير السعودي.