لا يمكن النظر إلى جولة محمد بن سلمان الآسيوية على أنها زيارة تقليدية تأتي في سياق تعزيز التعاون التجاري بين المملكة وباكستان والصين، فحسب. التوقيت، والوجهة، وكون الزيارة هي الثانية بعد جولته الاستعراضية غداة قتل الصحافي جمال خاشقجي، جميعها عوامل تضع الجولة الآسيوية في سياق سياسة سعودية خارجية جديدة تستدعي توقف المراقبين عندها. القلق والضياع الذي أتت به أزمة خاشقجي على صنّاع القرار في الرياض، جعلتهم مكبّلي الأيدي، بموازاة تلمّسهم الخذلان والغدر من الحلفاء في الغرب، يبدو أن كل ذلك ينتج سياسة خارجية مختلفة، تعيد إلى الأذهان التحركات التي كانت تحدث إبان عهد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، كتعبير عن عدم الرضى على تقدّم المفاوضات مع إيران وقتها، والتلويح بإمكانية التقارب مع الروس.

من هنا، فإن هذه القراءة تفترض أن جولة ابن سلمان رسالة إلى واشنطن بإمكان التقارب أكثر مع الصين، والانخراط في استثمارات معها، إذا ما استمرت الطريقة الأميركية في مقاربة ملفات الرياض ومصالحها، رغم كل ما تقدمه الأخيرة، على حالها. مع ذلك، يميل بعض المراقبين إلى اعتبار تحرك ابن سلمان أقل أهمية، ويعزونه إلى صعوبة فك العزلة حالياً عبر زيارات للدول الغربية، إضافة إلى محاولة إقناع كل من بكين وإسلام آباد ونيودلهي بالعمل ضد إيران، وخصوصاً في ملف النفط، علماً بأن الزيارة كان من المقرر أن تشمل ماليزيا وأندونيسيا، قبل الإعلان عن إلغاء برنامج البلدين الأخيرين ضمن الجولة من دون اتضاح الأسباب.
وربما توضح التفاهمات التجارية التي وقّعها ابن سلمان مع حكومة عمران خان في إسلام آباد، واللاحقة التي سيوقعها في نيودلهي وبكين، منحى الجولة الآسيوية والأهداف السعودية منها. وبحسب اليوم الأول للجولة، أي الشق الباكستاني منها، فإن المؤشرات تعزز وجود مخاوف سعودية من العلاقات غير المستقرة مع الولايات المتحدة، دفعت بالرياض إلى الاستثمار بمبالغ طائلة، حتى في ظلّ حكومة عمران خان الذي لا يربطه ود كبير مع السعوديين، وذلك في فرص تتعلق بمشروع الحزام والطريق الصيني العملاق.
وبحسب وسائل الإعلام السعودية، وقّع الجانبان 8 اتفاقيات على استثمارات سعودية بقيمة 20 مليار دولار، تضمّ «مذكرات تفاهم للاستثمار في قطاعات النفط والطاقة المتجدّدة والمعادن، شملت مصفاة أرامكو في ميناء جوادر الباكستاني (جنوب غرب) بقيمة 10 مليارات دولار، وهي من الأكبر في العالم». وفي كلمته بالمناسبة، رأى ابن سلمان أن «التوقيع على مذكرات التفاهم بقيمة 20 مليار دولار في المرحلة الأولى سيعزز التعاون والروابط الثنائية بين البلدين»، مشدداً على أن بلاده «ترغب في أن ترى باكستان قوية سياسياً واقتصادياً».
أما عمران خان، الذي طالب باتخاذ الإجراءات لإطلاق سراح نحو 3 آلاف سجين باكستاني في السجون السعودية، فقد اعتبر أن «مذكرات التفاهم التي تم التوقيع عليها بين باكستان والمملكة ستعود بالفائدة على الدولتين». ورحّب بمشاركة السعودية «في التنمية الإقليمية»، في إشارة إلى الممر الاقتصادي الصيني. يذكر أن الممر الاقتصادي الصيني يشكل جزءاً من مشروع الحزام والطريق، ويهدف إلى ربط مقاطعة شينشيانغ الصينية بميناء جوادر الباكستاني، من خلال شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب لنقل البضائع والنفط والغاز. ويبقى أن الشق الباكستاني في جولة ابن سلمان يحتاج إلى وقت للاختبار لتأكيد جدية التحول في العلاقات التي أصابها الفتور منذ وصول عمران خان، وهو ما قد تظهره الأيام في حال تحويل التفاهمات الضخمة إلى عقود استثمار تنفيذية.