التأم قبل أيام في بغداد مؤتمر لتيار سياسي أُطلق عليه «تجمُّع قوى وشخصيات التيار الديموقراطي العراقي». يأتي هذا المؤتمر الموسَّع بمساعٍ وجهود قيادة الحزب الشيوعي العراقي ـــــ اللجنة المركزية، الذي يتزعمه عضو مجلس الحكم الذي ألفه الحاكم المدني للعراق بعد الغزو بول بريمر، النائب السابق حميد مجيد موسى. وكانت الجهود من أجل تأسيس هذا التيار قد بدأت بعقد اجتماع تحضيري في 22من الشهر الماضي، أما المؤتمر التأسيسي، فقد عُقد بمشاركة 186 مندوباً من داخل العراق وخارجه، مع استثناء المحافظات الكردية دون توضيح الأسباب. وينتمي المندوبون إلى أحزاب وتنظيمات صغيرة وهامشية، لعل أكبرها هو الحزب الشيوعي، صاحب المبادرة، الذي فشل في الفوز بأي مقعد برلماني خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، في الوقت الذي فازت فيه عشائر وتجمعات طارئة بعدة مقاعد. وقد انتخب المندوبون لجنة عليا لقيادة تيارهم، مؤلفة من 72 عضواً وبواقع عضوين لكل حزب. اختلف المندوبون في توجهاتهم الفكرية والسياسية، بين مَن يسمّون أنفسهم ديموقراطيين وليبراليين ويساريين وإسلاميين حداثيين، لكنهم اتفقوا على الموقف الإيجابي من نظام الحكم السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والعرقية الذي أوجده الاحتلال. غير أنّ هذا الموقف البَنّاء من النظام، كما يقول بعض المشاركين، لا يمنع توجيه النقد «من أجل إصلاح النظام من الداخل».

ومن الوجوه المعروفة بمواقفها السياسية الرافضة لأية مقاومة أو مناهضة للاحتلال، التي عملت في هيئات ومؤسّسات حكم المحاصصة، نتعرّف إلى الأمين العام للحزب الشيوعي حميد مجيد موسى، الذي أمضى 20 عاماً في منصبه الحزبي، وهو ما يعده مراقبون ونشطاء يساريّون خارجون عن صفوف الحزب صاحب التاريخ العريق، «مناقضاً لمزاعم وشعارات الديموقراطية والتجديد التي يرفعها الحزب وزعيمه، الذي لا يختلف في تشبثه بالزعامة عن أيّ دكتاتور عربي». وقد حضرت شخصيات أخرى المؤتمر التأسيسي، منها الناشط الإسلامي السابق في صفوف حزب الدعوة الإسلامية، المقيم في ألمانيا، الذي أصبح يجاهر بتبنيه للعلمانية، ضياء الشكرجي، ووزير العلوم والتكنولوجيا السابق (عن الحزب الشيوعي) رائد فهمي، وعلي الرفيعي وكاظم حبيب ونجيب محيي الدين وحسين فوزي وكامل العضاض وعقيل الناصري، وغيرهم.
ومن بين الأحزاب التي شاركت في المؤتمر، «الحزب الوطني الديموقراطي»، الذي أسّسه كامل الجادرجي 1946، واختفى من المشهد السياسي العراقي منذ عقود، ثم أعاد أحد ورثته، وهو نصير الجادرجي الابن، إنشاءه عام الغزو وشارك باسمه في مجلس الحكم، محتلاً إحدى حصص العرب السنّة. التهاني والتحيات هطلت على المؤتمرين من بعض «الزملاء» في العملية السياسية الأميركية، من رئيس الجمهورية جلال الطالباني، ورئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، فردّت قيادة المؤتمر على التحية بأحسن منها، شاكرةً الرجلين على «دعمهما المادّي والمعنوي للمؤتمر»، إضافة إلى التحيّات التي بعثت بها قائمة «العراقية» إلى المؤتمرين، في ظل غياب الأحزاب الدينية الشيعية والسنية عن المشهد، ومثلها فعلت القوى والأحزاب اليسارية والقومية العروبية المناهضة للاحتلال، كالتيار الناصري والحزب «الشيوعي العمالي»، أو «الحزب الشيوعي ـــــ جناح القيادة المركزية».
البيان الختامي للمؤتمر أكّد أن الهدف الأول من إنشاء هذا التيار هو العمل على «توحيد جهود القوى والشخصيات الديموقراطية، والتوجه إلى إصلاح العملية السياسية، وتخليصها ممّا يحول دون بناء ديموقراطية حقيقية، بعيداً عن نهج المحاصصة الطائفية والإثنية». تساؤلات كثيرة أثيرت حول هذه الرؤية النقدية والمناهضة لنهج المحاصصة الطائفية والإثنية، التي تضمنها البيان، إذ يذكّر المراقبون بأن هذه الشخصيات التي «تلعن» المحاصصة الطائفية اليوم، هي نفسها التي أسهمت في قيام النظام في جميع مؤسساته وهيئاته منذ اليوم الأول للاحتلال، حتى إنّ الأمين العام للحزب الشيوعي عُيِّن عضواً في مجلس الحكم من ضمن «الكوتا» الخاصة بالشيعة.
أصحاب البيان لم يتركوا شاردة أو واردة في الملف العراقي إلّا مرّوا عليها في بيانهم، فأكدوا «ضرورة احترام التنوع القومي والديني والمذهبي في إطار العراق الديموقراطي الاتحادي، وفق ما جاء به الدستور»، وعرّجوا على استقلالية القضاء ومحاربة الفساد ووقف التدهور في الأوضاع الأمنية والمعيشية، لكنّ الغائب الوحيد والكبير في المؤتمر، وفي بيانه الختامي، كان الاحتلال، الذي لم يُذكر ولو بعبارة واحدة. وعند الحديث عن عام 2003 وتطوراته، استبدل المؤتمر وبيانه عبارة «سنة الاحتلال» بـ «سنة التغيير». لهذا السبب وغيره، جاءت تعليقات عدد من الكتّاب والنشطاء اليساريين والديموقراطيين المناهضين للاحتلال والطائفية ممن قاطعوا المؤتمر، سلبية تماماً. ورأى محللون أن هذا المؤتمر هو مجرّد محاولة من قيادة حزب حميد مجيد للخروج من حالة فقدان الوزن السياسي، وابتكار طرف سياسي تنشط باسمه خلال الاستحقاقات المقبلة، ولا سيّما أن هذا الحزب لم يَعُدْ مرحَّباً به في الائتلافات السياسية الكبيرة بسبب ضعفه، إضافةً إلى كونه أصبح مقتصراً على العراق العربي، بعدما انفصل عنه فرعه الكردي، واتخذ اسم الحزب «الشيوعي الكردستاني» منذ المؤتمر الخامس للحزب عام 1993.
كاتب وناشط يساري وعضو سابق في الحزب هو نزار رهك، علَّق بمرارة على نتائج هذا المؤتمر، مشيراً إلى أن قيادة الحزب الشيوعي تقوده إلى «التصفية التدريجية»، مسجِّلاً أن مقرّر المؤتمر كامل مدحت رفض استخدام عبارة «الاحتلال»، الذي «لم يتطرق المتحدث إلى سيئاته وامتهانه للكرامة والسيادة الوطنية وتدخله في نتائج الانتخابات ونفوذه في اللجنة العليا للانتخابات، وهيئات القضاء، ومساندة الإرهاب، وتهريب عناصر القاعدة من السجون، والدفع نحو الخصخصة، ونهب الأموال والآثار وقتل العلماء العراقيين». وخلص رهك إلى أن قيادة حميد مجيد لم تكتف بإنهاء دور الحزب والشيوعيين في الحياة السياسية، عبر مواقفها المهادنة للاحتلال وترسيخ توجهه الليبرالي الجديد فقط، بل هي أيضاً «تسعى جاهدة إلى سحب ما يمكن سحبه من العناصر الوطنية، والكوادر العلمية، إلى نفس المستنقع دون مراجعة حساباتها السياسية، والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الشعب العراقي، وخاصة الشيوعيين واليساريين عن السبب الحقيقي لهزيمتهم السياسية، وعن كفاءة قياداتهم ومواقفهم الوطنية والطبقية الهزيلة».
وكان لافتاً أن الصحيفة العربية الوحيدة التي غطّت أعمال مؤتمر علمانيّي العملية السياسية الأميركية في بغداد، وبشيء من التفصيل والاهتمام، كانت «الشرق الأوسط» السعودية، أمرٌ دفع أحد المعلقين الظرفاء على مواقع التواصل الاجتماعي إلى التساؤل: «هل سيفاجئنا ذات يوم أحد أمراء السعودية بأن يهدي تمثالاً لكارل ماركس أو للينين إلى مقر الحزب الشيوعي وتياره الديموقراطي في بغداد؟».