صنعاء | احتاج علي عبد الله صالح نحو سبعة أشهر كي يوقّع على اتفاقية المبادرة الخليجية. فكم يا ترى يحتاج الأمر لتنفيذها على الأرض؟ يبدو هذا التساؤل بعد يوم من التوقيع على المبادرة وآليتها التنفيذية مشروعاً، وقد ظهرت المبادرة أمس أمام اختبار صعب جرّاء سقوط خمسة قتلى في صفوف المحتجين الشباب الذين خرجوا في مسيرة احتجاجية مندّدة بالمبادرة وبمسألة التوقيع عليها، وهو ما يعني حصول الرئيس صالح وأقاربه على ضمانات من أي ملاحقات قضائية جرّاء الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال مسيرة الثورة الشبابية.


وقد حصلت عملية قتل الشباب واستهدافهم أمس بالطريقة نفسها التي كانت تحصل بأدوات وعناصر الرئيس صالح الذي لم يتأخر في بعث رسالة وجّه فيها وزارة الداخلية إلى «التحقيق الفوري والكامل وإحالة مرتكبي هذه الجريمة على العدالة من أي طرف كان»، رغم أنه يفترض فيه أنه تحوّل إلى رئيس شرفي لليمن.
تطورات تضع الرئيس الفعلي لليمن حالياً، عبد ربه منصور هادي، في اختبار أول يمكن من خلاله أن يثبت عملياً إن كان بالفعل قد أصبح ممسكاً بمقاليد الأمور في البلد، وأن الصلاحيات قد صارت في يده، أو أن الأمر لا يبتعد عن كونه تغيير أمكنة مع بقاء الأدوات والطرق التقليدية نفسها في التعامل مع الوضع.
لكن قيادة أحزاب المعارضة تبدو مطمئنة، ولو على نحو شكلي، إلى الطريقة التي سوف تسير عليها عملية تنفيذ بنود الاتفاق. وسعت بالفعل أمس إلى تطمين الشباب المحتجين في الساحات إلى أن المبادرة سوف تكفل لهم تحقيق مطالبهم، إضافةً إلى سيرها على طريق السلمية التي اختاروها. وفي رسالة وجهها إلى شباب الساحات، أكد الأمين العام للحزب الاشتراكي ياسين سعيد نعمان أن أطياف المعارضة تمتلك خارطة طريق اتُّفق عليها ولن يترك «تنفيذ التوقيع للصدفة أو للرغبات، ولكننا وضعنا آلية تنفيذية مزمنة وهي الرقيب الأول».
إلا أن الهوّة بين قيادة المعارضة والشباب في الساحات تكمن في هذه النقطة، وخصوصاً أن الشباب لا يرون في الثورة التي قاموا بها أداة لتغيير وجه السلطة الأول، الممثّل بعلي عبد الله صالح، فقط، بل لتغيير النظام على نحو كلّي.
ولذلك يرى الشاب وائل أحمد أنه يجب عدم تكرار تجربة الثورة المصرية التي اضطرت إلى القيام بثورة ثانية بعد أن رأى الشباب أنهم لم يحققوا شيئاً من المطالب التي خرجوا من أجلها. ويقول وائل لـ«الأخبار» إنهم لا يريدون أن يكرروا التجربة نفسها»، ويضيف «لن نغادر الساحات لنعود إليها ثانية، فهذا الأمر يبدو صعباً في اليمن».
وفي السياق نفسه، لا يبدو الطريق معبّداً جيداً كي تمر عربة المبادرة الخليجية بأمان، وخصوصاً على جهتي الجبهة الحوثية التي أعلنت رفضها للمبادرة رفضاً قاطعاً وهو ما سوف يكون بلا شك عقبة كبيرة أمامها مع ازدياد رقعة الأرض التي صارت الجماعة تسيطر عليها وتوسّعها شمالاً باتجاه ساحل البحر الأحمر عن طريق محافظة حجة الشمالية التي شهدت أول من أمس اشتباكات عنيفة بين القوات الموالية لحزب التجمع اليمني للإصلاح وأحزاب اللقاء المشترك أدت إلى سقوط عدد غير معلوم من القتلى والجرحى في صفوف الجانبين. وهي ليست المرة الأولى التي تقع فيها مثل هذه الاشتباكات بين الطرفين، إذ تكررت باستمرار في الآونة الأخيرة مع تأكيدات قبلية تشير إلى أن هذه المواجهات تأتي على نحو متعمد من قبل عناصر جماعة الحوثي من أجل السيطرة على المنطقة وزيادة المساحة الجغرافية التي يسيطرون عليها، في حين تنفي جماعة الحوثي هذا الأمر، مؤكدةً أنها في حالة دفاع عن النفس، وأنها لا تعتدي على أحد.
كذلك تبقى أمام المبادرة الخليجية معضلة أخرى تتمثل في القضية الجنوبية أو في مسألة تسوية الأوضاع المترتبة على الحراك الجنوبي الذي كان نواة للثورة الشعبية السلمية بداية من عام 2007. فقد أوردت المبادرة هذه القضية في سطر واحد ينص على ضرورة وقوف مؤتمر الحوار الوطني أمام القضية الجنوبية «بما يفضي إلى حل وطني عادل لها يحفظ لليمن وحدته واستقراره وأمنه»، وهو ما يعتقد كثيرون أنه لا يلبّي الحد الأدنى من الطموح لدى مكوّنات الحراك. وهو ما جعل القيادي في الحراك الجنوبي والحزب الاشتراكي اليمني ناصر الخبجي يؤكد لموقع «نيوز يمن» الإخباري المحلي أن «توقيع المبادرة لا يعنينا، بل يعني الشباب والمعارضة، وهي تسوية سياسية بين النظام والمعارضة، فيما قضية الجنوب مختلفة تماماً». كذلك رأى أن المبادرة الخليجية تجاهلت القضية الجنوبية نهائياً، متأسفاً أيضاً لتجاهل المعارضة في هذا الشأن.
وإضافة إلى كل ما ذكر، تبقى المسائل الإجرائية الأخرى التي تضمنتها الآلية التنفيذية للمبادرة عقبة أكبر أمام جعلها قيد التنفيذ عملياً على الأرض وفي المدد المحددة لها، وذلك بالنظر إلى تخلّف الجهاز الإداري للدولة الذي يحتاج إلى وقت أطول بكثير من ذلك المحدد في الآلية. وهو الأمر الذي سيكون معرقلاً كبيراً أمامها، فضلاً عن بقاء قيادة هذا الجهاز الإداري بأيدي عناصر قيادية تابعة للحزب الحاكم ولشبكة أخرى مكوّنة له. ويمكن اعتبار هذه التكوينات بمثابة «شبكة مافيا»، بحسب الباحث أحمد المداني الذي يرى أن من الخطأ النظر إلى الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية في شقها السياسي والعسكري فقط، بمعزل عن السياق الإداري. ويحذر المداني في حديث إلى «الأخبار» من مسألة التعويل على هذا «الجهاز الإداري العتيق» في إحداث أي تغييرات عاجلة مطلوبة من أجل أن تصبح بنود الآلية التنفيذية مطبقة على نحو ملموس على الأرض. ويضيف «إن وضع مثل تلك الآلية على ذلك النحو، مع علم واضعيها بالتعقيدات الموجودة من الناحية العملية، يعدّ تعمّداً لوضع العراقيل أمامها، على الرغم من ذكر أحد تلك البنود لمسألة اتخاذ خطوات للمضي قدماً نحو بناء نظام ديموقراطي كامل، بما في ذلك إصلاح الخدمة المدنية والقضاء والإدارة المحلية».




5 قتلى برصاص قوات صالح


قتل خمسة متظاهرين وأصيب 34 آخرون بجروح في صنعاء، أمس، برصاص أطلقه مدنيون موالون للرئيس علي عبد الله صالح (الصورة) على تظاهرة شبابية مناهضة للمبادرة الخليجية ومطالبة بمحاكمته. وردّد المتظاهرون شعارات مناهضة لصالح، ومطالبة بعدم منحه أي حصانة قانونية، كذلك هتفوا ضد المعارضة البرلمانية، وخصوصاً ضد حزب التجمع الوطني للإصلاح (إسلامي)، وذلك بعد أن وافقت المعارضة على منح حصانة لصالح. وسارت أيضاً تظاهرة مناهضة لصالح في مدينة تعز جنوبي صنعاء.
وعلى صعيد آخر، أعلن مسؤول محلي أمس أنه أُفرج عن عاملة إغاثة فرنسية مغربية، وعن يمنيين اختطفا معها، الثلاثاء الماضي في محافظة لحج. وفي الجنوب أيضاً، قتل 12 مسلحاً من تنظيم القاعدة في قصف مدفعي، مصدره الجيش اليمني، على موقع للتنظيم شرق مدينة زنجبار عاصمة أبين.
وفي مدينة جعار المجاورة، أفاد شهود عيان بأن عناصر من تنظيم القاعدة قطعوا يد رجل أول من أمس بتهمة سرقة كابلات كهربائية ومنازل مواطنين في زنجبار التي يسيطر التنظيم على أجزاء كبيرة منها منذ نهاية أيار الماضي.
(أ ف ب، رويترز)