الرباط | تتجه الأنظار اليوم إلى الانتخابات التشريعية المبكرة في المغرب، بوصفها أول استحقاق انتخابي بعد الاستفتاء على الدستور المعدل في شهر تموز الماضي. وهو استحقاق يأتي في ظل ظرف خاص تعرفه المنطقة عموماً والمغرب خصوصاً نتيجة استمرار الحراك السياسي والاجتماعي الذي تأمل السلطات المغربية احتواءه من خلال تسجيل نسبة مشاركة تصل إلى 60 أو 70 في المئة، لتثبت أن المؤسسات التي ستنبثق من هذه الانتخابات تتمتع بالصدقية.


إلّا أن هذه الآمال من غير المتوقع أن تجد طريقها إلى التحقق، في ظل انقسام الشارع المغربي إزاء الحدث. وفيما أطلق فريق المتفائلين بالانتخابات عليها تسميات متعددة بينها «جمعة الأمل» أو «جمعة التغيير» أو «جمعة الاستثناء المغربي»، وصفها فريق آخر بـ«جمعة التدليس» و«جمعة رفض الإرادة الشعبية». وبينهما يبرز فريق ثالث لا يبدو معنياً كثيراً بهذا اليوم.

حملة انتخابيّة فاترة

بدت الحملة الانتخابية باردة جداً في معظم مدن المغرب، وظهر أن تجاوب المواطنين مع تحركات الطبقة السياسية كان ضعيفاً جداً. وهو ضعف يعزوه المراقبون إلى عوامل عدة، حيث يرى الخبير السياسي عمر بندورو أن الشارع المغربي اكتسب مناعة وعي كافية لتجعله قادراً على تمييز أي محاولة للالتفاف على مطالبه في التغيير الحقيقي. ورأى أن «المواطنين شعروا بخطورة اللعبة، وهم يعتقدون أن هناك من يحاول خداعهم، فقد قدم لهم الدستور وبعده الانتخابات كمؤشرات على التغيير، لكن المواطن لا يرى في التغيير سوى عدم تغيير، وعلى الدولة أن تكشف عن نيّاتها الجادة وتطوي مرحلة ما قبل 25 من تشرين الثاني وتشرع من جديد في عملية التغيير».
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية، محمد ضريف، أن اتساع الدوائر وتضاعف عدد المرشحين بالنظر إلى نظام الاقتراع الأحادي الاسمي قد لا يساعدان المرشحين على التواصل المباشر مع الكتلة الناخبة.
ومع ذلك انبرت الأحزاب السياسية المغربية في حملة مواجهة مفتوحة، في محاولة أخيرة لكسب التأييد قبل الجولة الحقيقية. ويجمع المراقبون على أن المشهد السياسي المغربي الحالي، على علله الكثيرة، ينقسم إلى ثلاث قوى حقيقية وازنة لن يخرج اسم الحزب الفائز عنها، في مقدمتها «تحالف من أجل الديموقراطية»، أو ما يعرف بالثمانية الذي يقوده حزبا التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية المشاركان في الائتلاف الحكومي، وينضوي في إطاره أيضاً حزبا الأصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري المنتميان إلى المعارضة الحكومية، وأحزاب اليسار الأخضر والحزب الاشتراكي والحزب العمالي ذو التوجه الاشتراكي، وحزب النهضة والفضيلة الإسلامي.
ثانية القوى السياسية تتمثل في الكتلة الديموقراطية المؤلفة من أحزاب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية اليساريين وحزب الاستقلال، فيما يقف التيار الإسلامي الممثل في حزب العدالة والتنمية في الوسط، بعدما تلاشت احتمالات تحالفه مع الكتلة لمواجهة التحالف الوليد.
وفي إطار الترويج لحزبه، قال زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، عبد الإله بنكيران، إن المغرب يحتاج إلى حكومة قوية يستمد رئيسها مشروعيته من الشعب ولا يتلقّى التعليمات من أصدقاء الملك، محذراً من مغبة محاولة التلاعب في نتائج الانتخابات، في إشارة إلى تحالف الثمانية الذي ترجّح تحليلات أن بروزه وجمعه لتيارات لديها ما يفرّقها أكثر ممّا يجمعها، يعدّ بمثابة التفاف على مطالب التغيير وعودة إلى المشروع القديم لحزب الأصالة والمعاصرة الذي طالب الشارع برحيله. وشدد بنكيران على أن «الانتخابات المقبلة استثنائية بكل المقاييس»، موضحاً أنه «إضافة إلى أنها سابقة لأوانها، فإن بلادنا تعوّل عليها كثيراً لتفادي الدخول في دوامة لا يعرف أحد بدايتها من نهايتها»، فيما أصرّ زعيم الإسلاميين على أن حزبه هو الأول في المغرب وأن إسلاميي المغرب لا يقلون شأناً عن إسلاميي تونس الذين وصلوا إلى السلطة.
يقابل هذا الرأي رأي لزعيم حزب التجمع الوطني للأحرار الليبرالي، صلاح الدين مزوار، الذي يقلل من حظوظ فوز الإسلاميين، مشدداً على أن «السيناريو الحاصل في بلدان عربية مجاورة سوف لن يتكرر في المغرب». ويلفت إلى أنه «لا يوجد في المغرب فراغ سياسي حتى يأتي الإسلاميون اليوم ليستغلوه لمصلحتهم». كذلك قلّل وزير المال المغربي من الاتهامات الموجهة إلى التحالف واعتبرها مجرد محاولة يحوكها أعداء الديموقراطية وتيارات سياسية أثبتت فشلها في تدبير المرحلة السابقة.
من جهتها، نفضت أحزاب الكتلة الغبار عن تحالفها الراكد، بعدما أربك تحالف الثمانية حسابات الكتلة، حيث تكثفت اجتماعات الأحزاب الثلاثة في الأسابيع الماضية بهدف وضع استراتيجية مشتركة لتفعيل التحالف، في حال سارت نتائج الاقتراع لمصلحتها. وتنظر أحزاب الكتلة بدورها بعين الريبة إلى التحالف الجديد، حيث هاجمه الأمين العام لحزب الاستقلال الحاكم في المغرب، ووصف صلاح الدين مزوار بأنه عدو للعمال والطبقة الشغيلة. كذلك هاجمت الكتلة حزب الأصالة والمعاصرة لمؤسّسه صديق الملك «الهمة»، وشبّهت مساره بمسار الحزب الإداري الأول الذي خلقته الداخلية في الستينيات المعروف بـ«الفديك» والذي آل إلى الزوال.

دعوات المقاطعة

وسط كل هذا الضجيج الذي يملأ صالونات السياسيين، يبدو الأمر بعيداً عن أن يمثّل حافزاً بالنسبة إلى المواطن المغربي. فتنظيم الانتخابات التشريعية المبكرة بعيد عن أن يطفئ لهيب الشارع المستمر بالتظاهر منذ تسعة أشهر مطالباً بإصلاحات سياسية حقيقية، وبمحاربة الفساد، حيث خرج مئات الآلاف، مساء الأحد المنصرم، في أكثر من سبعين مدينة مغربية، في تظاهرات حاشدة تعبيراً عن رفضهم للانتخابات المبكرة. ومثّل خروج «حركة 20 فبراير» إلى الشارع، قبل خمسة أيام فقط قبل الاستحقاق الانتخابي، تحدّياً للحركة ومدى قدرتها على استيعاب فئات واسعة من الشعب المغربي وضرب خطاب الدولة القائل إن الحركة لا تستوعب سوى النزر اليسير من متشدّدي اليسار والإسلاميين.
فالحشود خرجت من الجنوب إلى الشمال، وفي أغادير كما في طنجة بالموازاة مع استمرار الحملة الانتخابية للأحزاب السياسية، مجددةً رفع شعارات المطالبة بـ«الحرية» و«الكرامة» و«الديموقراطية» و«العدالة الاجتماعية» وإسقاط الانتخابات، غير آبهين بموجة الاعتقالات التي شنّتها السلطات المغربية الأسبوع الماضي وطاولت نشطاء حركة «20 فبراير» ونشطاء عدد من الأحزاب السياسية أثناء توزيعهم منشورات تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، فيما تعرضت الناشطة سارة سوجار للاعتداء الجسدي بداية الأسبوع أثناء تعبئتها للمقاطعة.
وتطرق المحلل السياسي، محمد ضريف، إلى الاعتقالات، مشيراً إلى أن الدولة لا يمكنها المضي بعيداً في الحملة. ولفت إلى أن «الدولة تريد تقديم صورة عن أن المغرب دخل مع انتخابات الخامس والعشرين من تشرين الثاني نادي الديموقراطيات، وهو ما يجبرها على احترام حرية التعبير وحقوق الإنسان، لأن كل تدخل لقمع مسيرات 20 من فبراير سيعتبر من قبل المراقبين في الخارج انتهاكاً لحقوق الإنسان».
من جهته، قال الناشط قي تنسيقية الرباط في حركة «20 فبراير»، نجيب شوقي، إن مسيرات الأحد هي إعلان لنسبة مشاركة ستكون متدنية جداً». وأوضح في حديث مع «الأخبار» أن خروج هذه الآلاف في مسيرات شعبية سلمية معبّرين عن رفض المهزلة الانتخابية، وما يسمّى الإصلاحات المخزية، هو تحوّل حقيقي في حركة الشارع المغربي التاريخية، حيث لم يسبق أن خرج المغاربة إلى الشارع للتعبير عن رفض الانتخابات المتحكّم فيها». وأضاف «هذا تعبير في نظري عن كسر جدار الخوف والصمت وإدانة للأحزاب المشاركة في هذه المسرحية التي رغم استعمالها للمال لم تستطيع إغراء المئات بالخروج، كما هو تعبير واضح ورسالة إلى القصر بفشل إصلاحاته ورفضها من عموم المغاربة، لأنها لا تتجاوب مع عمق مطالب الشارع، من دستور ديموقراطي وفصل حقيقي للسلطات وتحرير الإعلام والقضاء وإطلاق سراح معتقلي الرأي ومحاكمة رموز الفساد وناهبي المال العام». بدورها، تذهب وداد ملحاف في ذات الاتجاه في حديثها إلى «الأخبار» عن كون استمرار إشراف وزارة الداخلية على الانتخابات دليل على أن منطق التحكم في الانتخابات لم يتغير، كذلك فإن تجاهل الدولة للمطالب العادلة للشارع المغربي واكتفاءها بإصلاحات شكلية غرضهما بعث رسالة تطمين إلى الحلفاء في الخارج.
في هذا الوقت، دعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» السلطات المغربية إلى الكف عن ملاحقة الداعين إلى مقاطعة الانتخابات، الذين يمثلون، إلى جانب حركة «20 فبراير»، جماعة العدل والإحسان المحظورة وحزب النهج الديموقراطي الشيوعي ذا التوجهات الجمهورية وحزبي الاشتراكي الموحد والطليعة اليساريين، رغم أن الأخيرين سبق أن شاركا في عدد من الاستحقاقات السابقة، كذلك يقاطع حزبا البديل الحضاري والأمة الإسلاميين المنحلين.
وشددت المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة الحقوقية العالمية ، سارة ليا ويتسن، على أن الحق في الاختيار الحر والقيام بحملة لاختيار ممثلين في الحكومة يشمل الحق في عدم التصويت وحثّ الآخرين على أن يحذوا الحذو نفسه.




13 مليون ناخب يختارون 395 برلمانياً

أفاد بلاغ لوزارة الداخلية المغربية أن عدد اللوائح المسجلة والمتنافسة في إطار الانتخابات التشريعيّة يتجاوز بقليل 1500 لائحة، فيما وصل عدد المواطنين المسجلين على القوائم الانتخابية إلى 13 مليون ناخب، في انخفاض قدّر بحوالى مليوني ناخب منذ عام 2003، وذلك على الرغم من ازدياد عدد السكان وخفض سن الاقتراع من 21 إلى 18 عاماً. أما وكلاء اللوائح، فأغلبيّتهم الساحقة من الذكور، حيث لا تتجاوز نسبة النساء 3,7 %، فيما يتنافس الجميع على 395 مقعداً.
ومن بين النساء المرشحات تخوض ماغي كاكون، للمرة الثانية، الانتخابات في محاولة لأن تكون أول امرأة يهودية تصل إلى قبة برلمان بلد مسلم، وذلك بعدما فشلت قبل 4 سنوات في الوصول إلى البرلمان المغربي، لأن حزبها لم يحصل على العتبة المحددة.