عملت «وحدة ريمون» التابعة لجيش الاحتلال الاسرائيلي، خلال سبعينيات القرن الماضي في قطاع غزّة المحتل. بقيت تفاصيل ممارسات الوحدة السرّية غير مطروقة ومخفيّة لسنوات، قبل أن تعود لتتبوأ عناوين صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية بعدما تقدّمت الصحيفة بطلب للكشف عن شهادة قديمة قدّمها مؤسّسها مائير ردغان، الذي ترأس جهاز الاستخبارات الاسرائيلي «الموساد» في ما بعد، في قضية محاكمة أحد عناصر الوحدة دانييل عوكيف، الذي أُطلق سراحه أخيراً من السجن بعدما أُدين بقتل سائح في عام 1997. وعلى الرغم من أن قضية قتل السائح غير مرتبطة بالوحدة، إلا أنّ استدعاء دغان في حينه جاء بعدما ادّعى عنصر الوحدة عوكيف، بأنّ خدمته في تلك الوحدة العسكرية «طوّرت لديه خللاً نفسياً»، ما أدّى الى اكتفاء هيئة المحكمة بسجنه عشرين عاماً فقط.
وكشفت شهادة دغان هذه، التي سمحت المحكمة بنشر أجزاء منها، عن آلية عمل الوحدة التي تخصصت بتصفية المقاومين الفلسطينيين واعتقالهم. وسعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ومن دافع السريّة، إلى التكتم على عمليات الوحدة، ولم تُنشر أي من تفاصيل عملياتها حتى اليوم.
ومن أبرز ما جاء في شهادة دغان هو اعترافه بحجم التصفيات التي نفذتها هذه الوحدة، بحيث قال «عندما وصلت إلى غزة، كانت لدينا قائمة تتضمن 300 مطلوب. عندما غادرتها (أي بعد 3 سنوات) كان قد بقي في القائمة 10 أسماء فقط»، مضيفاً إن «هدف الوحدة كان العثور على معلومات استخبارية، والقبض على مطلوبين». وأشار الى أنه «إذا واجهت مخربين مسلّحين، فليس بالضرورة أن تختبر كيفية استخدامهم للسلاح، فإذا كان المطلوبون في مواجهة معنا ولم يستسلموا، أو إذا كنا في وضعية خطر جاثم على حياتنا وهم كانوا مسلحين، فيكون عندها الهدف قتلهم». ويضيف إن «كل انسان يحمل السلاح نطلق النار عليه. حتى وإن كان إنساناً يركض وبيده سلاح، إذ يمكن أن يستدير، وأن يطلق النار خلال لحظة».
وكان أحد عناصر الوحدة قد أدلى بشهادة بدوره، أشار من خلالها إلى أنه لم تكن هناك تعليمات مباشرة بقتل «مخرّبين أيديهم ملوثة بالدماء»، لكن «كان واضحاً للجنود أنّه في حال القبض على أحد في القائمة الحمراء (التي عُرف رجالها بأنّهم مطلوبون) وجب قتله. كان هذا أمر في الهواء». وطلبت المحكمة من دغان الردّ على ادعاءات العنصر، فقال «على ما يبدو أنّني لم أكن في نفس الأجواء»، نافياً مقولة الجندي، قائلاً «ليست صحيحة. كل القواعد التي اتبعت في الجيش الإسرائيلي كانت سارية في الوحدة».
وألقى دغان الضوء، من خلال شهادته، على التدريبات الخاصة والخطرة التي كانت تقوم بها الوحدة. وقال «إذا كنت تقول لي إني كنت أقيم اختبارات شجاعة للجنود عندما أكون جالساً في سيارة الدفع الرباعية، وأطلق الرصاص الحيّ في الشارع حيث الجنود يسيرون، فإني أجيب أن هذا لم يكن اختبار شجاعة، إنما كنا نقوم بتدريبات برصاص حي. كانت التدريبات صعبة وخاصة. كانت هناك تدريبات على تفعيل السلاح بكل وضعية».
وفي ما يتعلق بعلاقة الوحدة بالسكان الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، اعترف دغان بأنّ الوحدة اعتادت مصادرة سيارات من طراز «مرسيدس» من المواطنين، معللاً هذه التجاوزات بقوله «من أجل العمل في المنطقة عليك الوصول بسيارات أصلية، وكانت الحاجة تملي مصادرة سيارات لفترة زمنية محددة. وكانوا (أي عناصر الجيش) يدفعون لهم مقابل الاستعمال».
تجدر الإشارة الى أنّ مائير دغان، قائد الوحدة، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى إحدى أهمّ الشخصيات الأمنية في الدولة العبرية، فقد عيّنه رئيس الوزراء السابق أرييل شارون، رئيساً لجهاز «الموساد»، وتحول خلال سنوات إلى إحدى الشخصيات الإسرائيلية الأمنية الهامة. وبرز أخيراً من خلال معارضته ضرب المفاعل النووي الإيراني، مهاجماً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إيهود باراك، معتبراً أن الإقدام على ضربة عسكرية هو «خطة غبيّة».