بعد تنفيذ عملية تبادل الأسرى بين حركة «حماس» والدولة العبرية، «ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة»، وبات على الإسرائيليين الآن، وبعد التحرّر من «عقدة ذنب» الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط، التصدّي مجدّداً لنظرية «بيت العنكبوت» التي أثبتت عملية التبادل صحتها مرّة أخرى، ومواجهة التداعيات الأمنية والاستراتيجية جرّاء الثمن الباهظ الذي دفعته من جهة، والضربة القوّية التي وُجّهت إلى قدرة الردع الإسرائيلية من جهة ثانية، والتي من شأنها رفع الحافزية لدى أعداء إسرائيل إلى منسوبها الأقصى.

وبعدما أسدلت الستارة في إسرائيل على «معاناة» أسيرها لدى المقاومة الفلسطينية، وجد الإسرائيليون أنفسهم، أمام واقع جديد في ساحة الصراع مع محور المقاومة وفصائله، وانصرف عدد من كبار المعلقين والكتّاب في الصحف العبرية، إلى إجراء جردة حساب، وإعادة ترتيب ميزان الربح والخسارة في كل ما يتعلق بعملية تبادل الأسرى.
وفي هذا المجال، أحسن التعبير، معلق الشؤون الأمنية في «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، عندما قال إن عملية التبادل كان لا بد منها من ناحية سياسية ـــــ داخلية، لكن في جوهرها وفي مغزاها الاستراتيجي، كانت خضوعاً إسرائيلياً أمام «حماس». ويرى يشاي أن «دولة إسرائيل خضعت للابتزاز الذي تعرّضت له من قبل جهة إرهابية إسلامية متطرفة، كشفت البطن الرخوة (أي نقطة الضعف) للمجتمع الإسرائيلي، ووجهت إليه ضربات بوحشية وصبر، إلى أن وافق هذا المجتمع على كل مطالبها». وأضاف إن «إسرائيل لم تخضع فحسب، بل إنها احتفلت بتلك الإهانة، في مهرجان مخز، ساعد الجيش الإسرائيلي في إنتاجه».
وبحسب يشاي، يجب إجراء تقدير واعٍ للوضع إزاء ما ينتظر إسرائيل في المستقبل، يأخذ في الحسبان «تأثير العملية وتداعياتها على الطرف الآخر، ليس فقط على «حماس»، بل على كل أعداء دولة إسرائيل، بدءاً من إيران وحزب الله، وانتهاءً بالمتطرفين في أوساط العرب في إسرائيل». ويشير الى أنه «إذا أردنا الحكم على الأمور، استناداً إلى ردود الأفعال على العملية، فيمكن الجزم بأنها عزّزت الإدراك في أوساط المحافل المعادية لإسرائيل، بأنّ المجتمع الإسرائيلي يعرف كيف يمتص الخسائر إلى حدود معينة، لكنه غير مؤهل للتصدّي لمعضلات وجدانية ونفسية، وأن كل استخدام للعنف لا تملك له إسرائيل ردّاً عسكرياً جيداً له، يجعل المجتمع الإسرائيلي يشعر بالعجز والهستيريا، ولذلك يُشكل هذا النوع من العنف وسيلة ناجعة تفضي مع الوقت إلى خضوع تكتيكي، وحتى استراتيجي، لليهود ودولتهم».
وفي رأي يشاي، فإن العملية أثبتت مجدّداً صحة نظرية «بيت العنكبوت» التي أطلقها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. ووفقاً لهذه النظرية، يضيف يشاي، فإن «عمليات الأسر تُعتبر عملية مجدية في كل الأحوال، وتُنتج إنجازاً على مستوى الوعي، وتجسد للجماهير في الشارع العربي مقدار صدق الإسلاميين، سُنّة وشيعة، في ادّعائهم بأن إسرائيل لا تفهم غير القوة».
وفي السياق ذاته، رأى معلق الشؤون العربية في «هآرتس»، آفي يسخروف، أن «معسكر الحرب انتصر». وقال إنه «بعد أكثر من أربع سنوات، رفعت «حماس» رأسها في الضفة الغربية. وقد فعلت ذلك بمساعدة دولة إسرائيل وإنهاء العملية التي منحتها بمعان كثيرة حبل نجاة». ورأى أن «الحركة، التي كادت بنيتها التحتية المدنية والعسكرية تختفي من الضفة في السنوات الأخيرة وتردى لها التأييد بشكل ذي مغزى، تمكنت من أن تسجل أهم إنجاز منذ قيام حكومتها في كانون الثاني 2006».
ويلفت يسخروف إلى أن «المشاهد الإسرائيلي رأى الثلاثاء المئات من مؤيدي «حماس» يرفعون أعلام المنظمة في الضفة بعد أكثر من أربع سنوات، وهذه الأحداث بالنسبة إليه كانت بعيدة كل البعد عن أن تشكل سبباً للاحتفال، ولا حتى للفرح. كان هذا يوماً حزيناً، تبيّن فيه أنه على الرغم من الهدوء النسبي في الضفة وضعف بنية «حماس» ونشاط الأجهزة الفلسطينية ضد المنظمات الفلسطينية والتحسن في الوضع الاقتصادي، تلقت الحركة تعزيزاً هاماً على المستوى الجماهيري، بفضل تحرير 1.027 سجيناً مقابل جلعاد شاليط».
وأضاف يسخروف إنّ «معظم الإسرائيليين الذين شاهدوا البث الحي والمباشر على قنوات التلفزيون انفعلوا مع الحدث، وربما ذرفوا الدمع عند مشاهدة الجندي يعود الى بيته بعد خمس سنوات في الأسر. لكن الكثيرين منهم حُرموا من صورة ثمن هذا المشهد: «حماس» تحتفل في شوارع الضفة، وجموع الناس يقسمون على مواصلة العمل على اختطاف إسرائيليين ويمجدون الذراع العسكرية للمنظمة ويعودون ليقسموا على الجهاد ضدّ دولة إسرائيل حتى محوها». وبحسب يسخروف، فإن «دولة إسرائيل أثبتت أنها لا تفهم سوى لغة القوة، دافعة الفلسطينيين، وليس فقط «حماس»، الى اختطاف جنود أو مواطنين آخرين في أقرب وقت ممكن».
أما الرسالة التي انغرست في قلب الجمهور الفلسطيني، كما يرى يسخروف، فهي أن «طريق «حماس» هي التي انتصرت ونجحت في إلحاق الهزيمة بإسرائيل، بينما السلطة الفلسطينية، مثلما هي الحال دوماً، لم تنجح في أن تحقق النتائج. وعلى نحو شبه مأسوي، نجحت إسرائيل في تعزيز «معسكر الحرب» في الجانب الفلسطيني وإضعاف «معسكر السلام» بشدّة».
بدوره، رأى المعلق السياسي في «يديعوت أحرونوت»، ناحوم برنيع، أنه «كان من الأجدى برئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بدل وعظ الجمهور مواعظ فارغة عن الأخلاق اليهودية الرائعة، أن يقول هو ووزير دفاعه الحقيقة للشعب، وهي أن الردع الإسرائيلي أُصيب. وأن مهمتنا التالية هي إعادة بنائه».
من جهته، وصف الكاتب السياسي في «هآرتس»، آري شافيت، الصباح الذي تلى تنفيذ عملية التبادل بأنه «صباح مهم. فهو الصباح الأول بعد الجنون. والصباح الأول بعد النذالة والصباح الأول بعد فقدان الاتزان العقلي. بعد 1940 يوماً و1940 ليلة سيطر علينا فيها الهوس، نستيقظ هذا الصباح لنرى الواقع ونفتح أعيننا وندلّكها بأيدينا ونرى من نحن وماذا حدث لنا».