يعيش مقاتلو المجلس الوطني الانتقالي الليبي بين جبهتي سرت وبني وليد شعور الفرح بالنصر على قوات العقيد معمر القذافي، لكنه فرح ممزوج بدموع الحزن على الضحايا وبصدمة من بعض ممارسات «الثوار» المقيتة.

في معقل العقيد القذافي في سرت، التي لا تزال فيها جيوب صغيرة لقواته تقاتل عناصر السلطة الانتقالية، يحتج إبراهيم الأزهري على تدمير ونهب مدينته المحاصرة، في عملية تبدو له وكأنها انتقام من مسقط رأس الزعيم المخلوع.
المهندس الشاب، الذي يعدّ من القلائل الذين انضموا إلى السلطة الجديدة من ابناء سرت، يقول بلهجة لا تخلو من الحزن وهو يحمل بندقية صينية الصنع «نحن غاضبون لأن سرت هي المدينة التي تعرضت لأكبر دمار» منذ بداية الانتفاضة الشعبية على النظام الليبي السابق. وفيما يقرّ ابراهيم بأن السيطرة على آخر معاقل القذافي تبرر هذه الخسائر المادية، فهو لا يوافق على انتهاك حرمة منازل عائلات المدينة.
وبينما اضرمت النار في العديد من المنازل المحسوبة على مقربين من القذافي خلال الأيام الأخيرة، يقول بحدة «لا تهمني المباني المتضررة، أعلم أن الثوار يواجهون مقاومة شرسة هنا ويتعين عليهم استخدام المدفعية الثقيلة لقتل القناصة المتربصين، لكن لماذا يدخلون المنازل ويخربونها ويحرقونها؟».
ذلك إضافة إلى سرقة السيارات ونهب الآلات المنزلية والأثاث وكل ما تم الاستحواذ عليه في سيارات مكشوفة وأحياناً أمام الملأ. ابراهيم الذي لجأت زوجته الحامل ووالداه الى مزرعة عائلية شرق سرت، يضيف «منزلي مقلوب رأساً على عقب». ويعبّر عن صدمته لما رآه من «المقاتلين الذين دخلوا منزلي وفتشوه وشاهدوا صوري العائلية ولوثوا ثياب زوجتي، لقد انتهكوا حرمتي».
ويروي ابراهيم انه قبل المعارك في سرت «وزع أتباع القذافي علينا أسلحة وقالوا لنا ان رجال المجلس الوطني الانتقالي سيقتلون عائلاتنا، لكنني لم اصدق ذلك قط لأنني كنت أساند هذه الثورة منذ البداية». لكن في المحصلة «بدأ الناس في سرت مثلي يكرهون هذه الثورة» التي تحولت «الى انتقام من سكان المدينة الذين ينظر اليهم على انهم من انصار القذافي».
من جهته، يؤكد فيصل برنقو المقاتل على الجبهة الغربية، حيث كل المباني والمنازل تحمل آثار المعارك، ان نهب منازل سرت «على أيدي أقلية» قد يترك جراحاً. ويتساءل «ماذا سيظن الناس لدى عودتهم بعد المعارك؟»، قبل ان يضيف جواباً عن سؤاله «مع الأسف ستبقى نقطة سوداء في قلوب سكان سرت عندما تنتهي الحرب».
على الجبهة الأخرى في بني وليد، يقول المقاتل الشاب علي، وهو يضحك مثل الأطفال اثناء قيادته سيارة رباعية الدفع، «كنت أقود سيارة مازدا طراز عام 1990.. انظر الي الآن». ويضيف وهو ينقر على رأسه «أشعر بالقلق على البعض منا. من ان نمرض نفسياً» من مشاهد القتل. يروي شاب آخر يبلغ من العمر 26 عاماً لوكالة «رويترز» وسط أصوات الاحتفالات «لم يكن لدينا اي شيء قط لكننا لم نخش القذافي على الإطلاق. هذا الجيل لا يخاف. ربما كان آباؤنا يخافون. ربما جدي. لكننا كنا سنطيحه دائماً. دائماً.. لأننا أردنا المزيد».
وفي ظل الجدل المحيط بتشكيل حكومة يشعر البعض بالغضب والقلق من أن ينسى الزعماء أمر هؤلاء الذين شاركوا في الثورة. يقول علي «بناء دولة جديدة سيستغرق وقتا طويلاً. ربما هذا هو ما سيفعله جيلنا من أجل أبنائنا. بالنسبة إلي لا أدري، ربما أذهب الى كندا وأعود حين تصبح ليبيا هكذا».
رغم كافة التجاوزات التي تظهر بين وقت وآخر، تبقى حال مقاتلي السلطة الجديدة يقول رفيقهم علي اصغر، (30 عاماً)، «لم اشعر بأنني حر كما اشعر الآن. كأن كل ليبيا حرة وكل الليبيين اخوة لي».
(أ ف ب، رويترز)