باريس | مثلما أعادت مسألة اغتيال القيادي في «تيار المستقبل» الكردي السوري مشعل تمّو في السابع من الشهر الجاري في مدينة القامشلي، الشارع الكردي إلى التحرُّك بقوة في تشييعه بالمدن السورية (ذات الثقل الكردي) من عامودا والقامشلي والدرباسية والحسكة، فإنها أعادت فتح السجال نفسه بين المعارضين السوريين في باريس، من عرب وأكراد: لماذا المشاركة الكردية في الانتفاضة السورية لا تزال «خجولة» عموماً؟


هل يعد كرد سوريا (تقدّر مصادرهم عددهم بالمليونين) أن نظام «البعث» (على علّاته) يعرفونه جيداً، بينما لا يعرفون ماذا سيحل مكانه، ويجهلون كيف سيكون تعاطي حكام «سوريا الجديدة» معهم وإزاء مطالبهم المزمنة؟ هل نجحت السلطة في اكتساب ودّ فئة كردية عندما قررت «منحهم» أبسط حقوقهم بالجنسية السورية؟ ما هو المطلوب فعله ممّن يتحدثون باسم الانتفاضة السورية، أكان من الداخل أم من الخارج، لإنزال الأكراد إلى الشوارع ليس فقط لتأبين مشعل تمّو؟
يرى ناشطون أكراد في باريس أن مشاركة نحو 150 ألف متظاهر في تأبين المسؤول في تيار المستقبل الكردي قبل أيام، كان بحد ذاته رسالة إلى القيّمين على الهيئات المعارضة المختلفة، وخصوصاً إلى المجلس الوطني السوري، مفادها «نحن أكثر فئة قادرة على الحشد وتحدي الموت بصدور عارية. لكن كي ننزل إلى الشوارع ونبقى فيها، نحن بحاجة لضمانات مكتوبة منكم لأنه لا يكفي الاتفاق على إسقاط النظام، فمن يضمن ألا يحمل عهد ما بعد الحكم الحالي ما هو أسوأ من الواقع الراهن بالنسبة إلى أكراد سوريا؟».
يشير ناشطون باريسيون أكراد بثقة مطلقة إلى أن قرار دمشق تجنيس فئة من الأكراد كان أشبه بمزحة سمجة لم تنطلِ عليهم، إذ رفض نيل الجنسية 30 ألف شخص منهم، ولم يقبلها سوى خمسة آلاف. ويفسّر ناشط مخضرم هذا السلوك بأنه ترجمة صريحة لرفض الأكراد التجاوب مع أي محاولة من النظام لإبرام هدنة معهم. وفيما يرفض أن يقول إن أكراد سوريا كانوا أكثر المتضررين من حكم «البعث» منذ 1963، بما أن «الجميع تضرّروا منه»، فهو يوجه لومه الكبير لـ«المعارضة السورية التقليدية» التي «وقفت في مناسبات عديدة ضد الأكراد، آخرها بعد أحداث القامشلي في آذار 2004». ويسخر الناشط الكردي المعارض من أن «المعارضين التقليديين» (وأغلبهم يساريون في الداخل وبعضهم منضو اليوم في هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديموقراطي)، رأوا أن جميع الأكراد انفصاليون بعد أحداث كرة القدم الشهيرة، وهو ما لا يزال يترك أثره على نظرة الأكراد إلى الغالبية العربية في ما يتعلق بالانتفاضة الحالية.
أما بالنسبة إلى تعاطي بعض أطراف المجلس الوطني السوري حالياً مع الأكراد، فه ليست بأفضل حالاً، إذ يتوقف أحدهم على كيف أن الناشطة سهير الأتاسي مثلاً، في بيان إعلان انضمامها إلى المجلس الوطني مندوبةً عن تنسيقيات الثورة، حيّت جميع المدن السورية بالاسم من دون أن تذكر اسم مدينة واحدة ذات أغلبية كردية. من هنا تكمن أهمية الراحل مشعل تمّو، بما أنه شخصية تمكنت من الانفتاح بنحو كبير على السوريين العرب وتحريك شباب الأكراد باتجاه الشوارع، وتمثيلهم في المجلس الوطني السوري (مجلس اسطنبول). هو تمّو نفسه الذي يتململ كوادر من تياره (المستقبل) اليوم من أن «تعاطي المجلس الوطني مع استشهاده لم يأتِ على المستوى المطلوب».
وبمتابعة أجواء نقاشات السوريين العرب والأكراد المقيمين في باريس، يتلمّس المراقب إلى أي حدّ يحاول الطرفان كسر الجدران التي بناها النظام للتفريق في ما بينهما، وهو النظام الذي «قتل مشعل تمّو تحديداً لمنعه من مواصلة تعزيز التواصل والتآخي بين العرب والأكراد»، على حد تعبير معظم المتحدثين في تأبين تكريمي لتمّو يوم الجمعة الماضي في مبنى بلدية الدائرة الثانية في باريس. الجميع كانوا مهتمين بالتشديد على أن أول ما يجب أن يقال عن تمّو، هو أنه لم يروَّض في السجن الذي خرج منه في حزيران الماضي وظل يتلقى التهديدات بتصفيته منذ ذلك الحين «لأن حياته ظلت تمثّل تهديداً للنظام من خلال حركته ونشاطه وانفتاحه على العرب والآثوريين، حتى إن مَن شاركوا في تأبينه من العرب في بلدة الدرباسية كانوا أكثر عدداً من الأكراد».
لكن رغم ذلك، لم ينزل الأكراد بوزنهم الحقيقي إلى الشوارع بعد، رغم الحشد الكبير في تشييعه، لأن لهم سلسلة مطالب، منها مثلاً ألّا يأتي في مقدمة الدستور السوري الجديد تعريف عربي لسوريا، أي أن يقتصر اسم الدولة على الجمهورية السورية (بلا العربية). هذا أولاً، ثم إنّ التنازل الكردي عن الحلم الانفصالي (ليس في سوريا فحسب) منذ عام 1993 عملياً، يجب أن يقابله وعد مكتوب من المجلس الوطني السوري (لكونه الإطار الأكثر فاعلية حتى الآن بحسب ناشط كردي بارز) بأن يكون لأكراد سوريا في المرحلة الديموقراطية «حق الإدارة الذاتية»، وهو ما لا يعني سوى اللامركزية أو الفدرالية، لا انفصال ولا استقلال. ويبدو الناشطون السوريون الأكراد مستعجلين نوعاً ما، إذ يصر عدد منهم على ضرورة البدء بوضع تصورات لحل العُقد الكردية المستعصية منذ الآن، كحل أزمة ما يسمونها «المستوطنات» العربية الـ30 ألفاً «المزروعة» في قلب المناطق التي يؤلف الأكراد فيها غالبية.
هكذا يفسّر عدد من الناشطين الأكراد برودة مشاركة أهلهم في الداخل بالحراك الشعبي لأن «الأكراد، (كذلك الأقليات المسيحية والدروز والعلويون والإسماعيليون) غير مقتنعين بالمشروع المطروح الذي يقدمه المجلس الوطني السوري». لا شك في أن مشعل تمّو كان يدرك عمق المشكلة، وقد كان أحد أبرز الناشطين الذين حاولوا إقناع الأكراد بأنه «إن لم نشارك في الثورة، فلن يكون من حقنا لاحقاً المطالبة بحقوقنا، على قاعدة أن الأرض لمَن يحرّرها». من هنا، قد يكون أكثر ما يجمع حوله المتحدثون عن مشعل هو منافسته، هو وتنظيمه (تيار المستقبل)، لما يعد بمثابة الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، أي «الاتحاد الديموقراطي» أو الـ(PYD) في التأثير على الشارع الكردي. ربما لهذا السبب يلمّح بعض المعارضين السوريين في باريس أيضاً إلى احتمال أن يكون الراحل اغتيل ليس برصاص النظام، بل برصاص الانفصاليين الأكراد. ولأن نظرية المؤامرة تلقى رواجاً عند السوريين أيضاً، فقد سارع الفرع السوري الـPYD إلى اتهام السلطات التركية باغتيال تمّو، مفسراً ذلك برغبتها في الانتقام لخطف العقيد المنشقّ عن الجيش السوري حسين هرموش قبل فترة من داخل الحدود التركية (بعد تخديره على ما أكدته إحدى الروايات عن اعتقاله). وما الهدف التركي من تصفية قيادي معارض وصاحب تأثير كبير بين أنصاره؟ يأتي «جواب المؤامرة» فوراً: إنّ قتل تمّو على يد تركيا هو رسالة من أنقرة لدمشق بأننا سنقيم الدنيا ضدكم ولن نقعدها. تكمل الرواية: تغتال تركيا تمّو، فيُتَّهم النظام السوري فوراً بارتكاب الجريمة، فتكون عندها الانطلاقة الفعلية لانتفاضة أكراد سوريا ضد نظام البعث. كل ذلك التحليل يصرون عليه في باريس رغم مسارعة أنقرة إلى إدانة اغتيال تمو في السابع من الشهر الجاري.
لكن في المقابل، هناك معارضون سوريون (عرب) يلفتون إلى إمكانية أن يكون حزب العمال الكردستاني فعلاً هو مَن قتل مشعل تمّو، وبهذه الحالة، يكون النظام السوري هو مَن قتله، بما أن «العمال الكردستاني السوري يتلقّى أوامره حالياً من فرع الاستخبارات العسكرية السورية»، في إطار ما يُعرف بـ«الورقة الكردية» التي يُقال إن دمشق تمتلكها في حربها الباردة ضد أنقرة.
لا تنتهي قصة التكهنات والتحليلات والمعلومات عند هذا الحدّ؛ فبالنسبة إلى معارض كردي باريسي، ممّن يرون أنفسهم أكثر عروبة ممّا هم أكراد، فإنّ المهم هو التركيز على أن النظام السوري هو مَن قتل مشعل تمّو من دون الإطالة في النقاش حول أي فرع أو أي جهة تابعة للنظام بالتحديد اغتالته. ويبرر الرجل إصراره على حصر التهمة بالنظام بتخوّفه من أن البحث في سيناريو قتله على يد «العمال الكردستاني» أو الـPYD، قد يتسبب في اقتتال داخلي كردي ــ كردي، «وهو ما يحلم النظام بحصوله» على قاعدة فرِّق تسد. والاقتتال وارد، بحسب المتابع نفسه، بما أن الشارع الكردي الشبابي السوري انقسم أخيراً بين الـPYD وتيار المستقبل الذي أسسه وقاده تمّو منذ 2005. الأول قرّر العمل بأجندته الخاصة و«باعلامه» بلا تعاون مع العرب ولا حتى مع الأحزاب والأطراف الكردية الأخرى، أما تمّو ورفاقه فقد فضّلوا الاتحاد مع العرب في الانتفاضة، ومن هنا جاء تمثيله لتياره في المجلس الوطني السوري، علماً أنه قبل إنشاء المجلس، وقبل انطلاق الانتفاضة الشعبية حتى، كان دوره رئيسياً في إطار «لجان إحياء المجتمع المدني» إلى جانب كثيرين، منهم فايز سارة وغيره. ثم إن نشاط ابن الدرباسية كان مؤثراً في إطار محاولات مجموعة من الشخصيات السورية، أبرزها هيثم المالح ووليد البني ونواف البشير، عقد «مؤتمر وطني للإنقاذ» في دمشق في الصيف الماضي، فما كان من السلطات السورية إلا اعتقال تمّو والبني والبشير، ففشل المشروع واقتصر على مؤتمر إنقاذ ترأسه المالح في اسطنبول.
اليوم، يؤكد عارفون بشؤون البيت الكردي السوري أن المشاركة الكبيرة في تأبين مشعل تمّو وسقوط قتلى وجرحى أكراد خلال التشييع لن تكون نقطة البداية بالنسبة إلى مشاركة الأكراد في الثورة، لأن الأمر أبعد من مسألة انتقام، فالمطلوب تفاهم مع الأطراف الأخرى للثورة السورية على «أي سوريا نريد بناءها بعد سقوط النظام؟». يقولون «اعطونا ضمانات مكتوبة وخذوا منّا المن والسلوى». هذا بعيون كردية. أما ناشط باريسي من جيران الأكراد في منطقة القامشلي، أي من السريان، فيفسّر برودة المشاركة الكردية في التظاهرات بأن الأحزاب الكردية عموماً لم تعد قادرة على التأثير كثيراً على جمهورها، لأن معظم الأحزاب الكردية السورية ممّن يعملون في العلن، «مضبوطون» من النظام السوري. انطلاقاً من ذلك، لا يعلّق كثيرون أهمية كبيرة على المشاركات الاسمية لأحزاب كردية سورية في مجالس المعارضة، تحديداً في المجلس الوطني السوري (يتمثّل في هيئته العامة 20 عضواً كردياً) أو في «هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديموقراطي» التي تقول إن أحزاباً كردية موجودة من ضمن الأحزاب الـ16 التي تنضوي تحت إطارها. ولم يكن ينقص سوى تركيا لتضعف من مشاركة أكراد سوريا في المؤتمرات التي عقدت المعارضة معظمها في تركيا، أكان في اسطنبول أم أنطاليا أم أنقرة. فبما أن تركيا لا تزال ترى أن الأكراد، وخصوصاً في سوريا، هم بالضرورة مشروع مشاكل بالنسبة إليها، فإنها، بحسب مصادر معارضة ناشطة في فرنسا، تضيّق على وصول المندوبين الأكراد إلى الأراضي التركية للمشاركة في المؤتمرات المعارِضة.




«أقفاص» صدّام حسين


هناك رواية متداولة بين البعض من أكراد سوريا في باريس عن الجهة التي اغتالت مشعل تمّو. تقول الرواية إن مَن قتل مشعل تمّو هم فرقة عسكرية تابعة للنظام السوري، مؤلفة من عراقيين من «فيلق بدر» وحزب الدعوة الإسلامية وإيرانيين (من الحرس الثوري) يتحركون بين منطقتي الرمادي (في محافظة الأنبار على الحدود السورية) والفلوجة في منطقة تدعى «أقفاص» كان يستخدمها صدام حسين لسجن الجنود الإيرانيين في الحرب العراقية ــ الايرانية (1980 ـ 1988). وفق مصادر هذه الرواية، فإن هؤلاء يبلغ عددهم نحو 20 ألف جندي تدرّبهم إيران رغماً عن إرادة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، ومهمتهم تنقسم إلى جزئين: ترويع أهالي المنطقة الشرقية في سوريا (دير الزور والجزيرة)، وثانياً تشكيل سند مسلّح وقوي للنظام على حدوده الشرقية يكون قادراً على التدخل بسرعة في حال سقط النظام أو كان مهدداً جدياً بالسقوط.