حلّ سلطة عباس ومقاومة المحتل

فليرسل الأسد نصف مليون سوري للجولان
فَهْم الجمهوريين لسوريا بسيط وطفولي

منذ أسابيع، زار الصحافي الأميركي ماكس بلومنتال المنطقة العربية، مارّاً بالدول التي أنهت ثورتها، ومراقباً تلك التي لا تزال الأمور فيها مشتعلة. بلومنتال قلق على مصير الربيع العربي الذي سيتطلب في رأيه عشر سنوات لتترسخ نتائجه، إذا لم تقضِ الثورة المضادة عليه

ماذا سيحصل في رأيك في أيلول بخصوص الدولة الفلسطينية؟

- أعتقد أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل، نظراً إلى أنهما تمثّلان جبهة الرفض، ستفعلان ما في وسعهما كي يرفض مجلس الأمن تصويت الجمعية العامة على قبول الدولة الفلسطينية عضواً في الأمم المتحدة.
وما سمعته من القادة الفلسطينيين، أنّ حصول ذلك سيدفعهم إلى الحشد بطريقة لم نرها منذ الانتفاضة الثانية، في الشوارع والمدن. شهدت الضفة الغربية تحركات في القرى، لكن إذا انتقلت إلى المدن فستصبح انتفاضة، وإسرائيل أصبحت مستعدة لنقل جيشها لمواجهة ذلك.
يتوقع الإسرائيليون حصول مشاكل، وإذا فشلوا في قمعها بواسطة الجنود المشاة والرصاص المطاطي، فسيأتي دور الدبابات والطيران الحربي. ما يجب أن نتناوله هو ما سيربحه الفلسطينيون من قرار الاعتراف بالدولة. لدى الفلسطينيين تقنياً دولة وفق اتفاق أوسلو، على ماذا سيحصلون من الأمم المتحدة ومن القرار؟
هل سيحدد القرار من يستطيع أن يكون فلسطينياً؟ هل ستكون الجنسية حكراً على فلسطينيي الضفة والقطاع؟ هل سيتمكن سكان شاتيلا من الحصول على الجنسية وبالتالي سيفقدون صفتهم كلاجئين إلى الأبد؟ هل سيتمكنون من العودة إلى بلادهم؟
أين ستكون سفارات الدول التي تعترف بفلسطين؟ في رام الله؛ لأنّ إسرائيل لن تسمح لهم بأن يكونوا في القدس؟
وهل سيعني ذلك أنّ السلطة تعترف بأنّ رام الله عاصمتها؟ كيف سيُخرجون المستوطنين من الضفة؟... كل شيء غامض، وهو مقصود في رأيي؛ لأنّ الغموض هو تكتيك السلطة الفلسطينية الوحيد.
أرى أنّ الحل الوحيد هو حلّ السلطة الفلسطينية والعودة إلى مقاومة المحتل. السلطة الفلسطينية هي أداة بيد الاحتلال، يحركها عبر جهاز تحكم عن بعد. قواتها الأمنية مدربة لاعتقال الفلسطينيين، لا لمحاربة المحتل. عملية السلام هي كلّها من أجل السماح لإسرائيل بأن تفرض ما تريده على الأرض.

ما رأيك في الثورات العربية والتدخل الأميركي لسرقة نتائجها؟

- يمكن الجميع ملاحظة أنّ السعودية هي رأس حربة الثورة المضادة، ووراءها الولايات المتحدة، التي تتصرف وفق سياستها الخارجية التي تحتوي على تناقضات: فهي تقول إنّها تساند الديموقراطيات، لكنّها تريد بقاء المستبدين الذين هم مستعدون للتعامل مع واشنطن وإسرائيل...
سيتطلب الأمر عشر سنوات على الأقل كي يحقق الربيع العربي طموحات الناس الذين نزلوا إلى الشوارع، أو كي يتعرض للتدمير كلياً. الموضوع في سوريا أكثر تعقيداً من الدول الأخرى، فالأسد لم يطبّع العلاقات مع إسرائيل، رغم المفاوضات بين الطرفين، وساند حزب الله وبعض الفصائل الفلسطينية. لذا، هو يتمتع ببعض من الشرعية، لم يتمتع بها مبارك وغيره. عاملته واشنطن تاريخياً كعدو، لكنّه قام مع والده بالعديد من الخدمات للولايات المتحدة. حاول أوباما تطبيع العلاقات معه عبر السفارة.
هناك إيمان لدى بعض دوائر مؤسسة الأمن القومي الأميركي، والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بأنّ الأسد حقق الأمن، وحمى الحدود فترة طويلة. استغل النظام السوري في الخامس من حزيران الماضي الفلسطينيين، الذين كانت رغبتهم صادقة في الذهاب إلى فلسطين. ببساطة، إن كان فعلاً صادقاً، فلماذا لا يرسل نصف مليون سوري إلى الجولان، والفلسطينيون سيساعدونهم بالطبع، وليدعهم يحتلون المكان؟ أما في ما يتعلق بالداخل اللبناني،إذا كان حزب الله يساند النظام السوري الآن، فلا يعني ذلك أنّ الموقف لن يتغيّر مستقبلاً.
يستخدم مناصرو حزب الله خطاب الأولويات، ما أعتقد أنّه لا ينفع، فذلك سيفقد الحزب الكثير من قوته الناعمة، وصدقيته بين الناس. هناك شعور أيضاً بأنّ الإعلام السعودي يحاول دفع المعارضات المنتفضة باتجاه التطرف. هناك العديد من العناصر الخارجية التي يمكن أن تأخذ الربيع العربي إلى اتجاهات مدمرة، عبر إثارة المذهبية مثلاً.

هل كان سيتغيّر ردّ فعل واشنطن تجاه الربيع العربي لو كان الرئيس الحالي جمهورياً؟

- الجمهوريون سيكونون أكثر إحراجاً. كانوا سيساندون مبارك أكثر، مثلاً. أحاط جون ماكاين نفسه بمجموعة من المحافظين الجدد المهووسين بالأسد. خطط هؤلاء منذ التسعينيات لاحتلال العراق، واستخدامه قاعدة للسيطرة على المنطقة. سوريا كانت التالية.
فهمهم لسوريا بسيط وطفولي لدرجة كبيرة. حين عرض إيهود أولمرت مفاوضات مع سوريا بدون شروط بشأن الجولان، منعه الكونغرس من القيام بذلك، وهدد أعضاؤه إسرائيل بعقوبات اقتصادية لو قام بذلك. هم أغبياء إلى تلك الدرجة. في رأيي، سيكون الديموقراطيون أكثر فاعلية في الحفاظ على إمبراطوريتهم من خلال القوة الناعمة، لكن بوش مثلاً، سبّب أضراراً أكثر للقوة الأميركية من أي رئيس آخر. أظن أنّ الربيع العربي كان سيزعج الجمهوريين أكثر بكثير.

لقد كتبت الكثير عن الإسلاموفوبيا، هل كنت تتوقع الجريمة التي حصلت في النروج منذ أسابيع؟

- لقد فوجئت بأنّ إرهابياً من اليمين يمكنه أن يعدّ اعتداءً بهذه الضخامة، وأن تكون لديه أيديولوجيا متناسقة بتلك الدرجة، وأن يكون متأثراً إلى تلك الدرجة، وبوضوح، بالشخصيات المعادية للمسلمين، التي كتبت عنها في الماضي. هو يجسد عقلية اليمين الجديد، وهي تمثّل نوعاً جديداً من معاداة السامية؛ فهي معادية للإسلام، وفي الوقت نفسه تملك مؤامرة اليمين المتطرف ومعتقداته بشأن الحرية الشخصية، والصهيونية القصوى. اليمين المتطرف الجديد ومناصروه يعبدون إسرائيل؛ لأنّها دولة تخوض، في رأيهم، حرباً ديموغرافية، كتلك التي يعتقدون أنّهم يخوضونها في أوروبا، أي ما يسمى «الجهاد الديموغرافي».
الأمر اللافت هو مقدار تأثر أندرس برييفك، منفذ اعتداء النروج، باليمينيين الأميركيين، لا بالأوروبيين منهم. أهم ما لاحظته بشأن الأشخاص الذين أثروا في برييفك هو أنّهم لم يدعوا في حياتهم إلى القيام بعمل إرهابي كالذي قام به، لكنّهم يدعون إلى عمليات إرهابية ضد المسلمين، وضد ما يسمونه، مثل برييفك، ماركسية ثقافية. هؤلاء يدعون علانية إلى الإرهاب، ضد المسلمين، والعرب والفلسطينيين.
كيف ينجون من الإدانة؟ هم يدعون الجيش الأميركي والإسرائيلي إلى القيام بتلك العمليات. إذاً، هم يساندون إرهاب الدولة، مع أكبر دولتين إرهابيتين.
ذلك النوع من الإرهاب، إرهاب الدولة، يسمح به جزء كبير من الشعب الأميركي، ويسانده كذلك قسم كبير من الإسرائيليين. قال 40 في المئة من الإسرائيليين بعد مجرزة «أسطول الحرية» في 2010 إنّ الجيش الإسرائيلي لم يستخدم ما يكفي من القوة. الأميركيون ساندوا من جهتهم استراتيجية «الصدمة والرعب» التي طُبقت في بغداد واستهدفت على نحو مقصود الأهداف المدنية. ساند الإسرائيليون تدمير غزة كذلك. إذاً، تلك المجموعة ليست خارج النسق العام، هم يعترفون بإرهاب الدولة، كما نفعل نحن، لكن على عكسنا، هم يساندون ذلك النوع من الإرهاب...
في الولايات المتحدة، يشعر المتطرفون بأنّ أوباما شخص سيئ، لكنّ الجيش لا يزال يحارب ويقاتل في أفغانستان. هؤلاء اضطروا إلى إدانة ما فعله برييفك، رغم أنّه نفذ ما يدعون إليه، لكنّه خرج من دائرة المقبول به حضارياً. هناك أعضاء جدد في الحزب الجمهوري، في الكونغرس، ارتكبوا فظائع في الحرب وتفاخروا بها خلال الحملة الانتخابية. لدينا إيلاريو بنتانو، الذي أعدم رجلين عراقيين أعزلين، أطلق النار عليهما 62 مرة، وتوقف ليعيد تلقيم بندقيته، ثم شوّه جثتيهما، وتفاخر بالأمر خلال الحملة الانتخابية.
هناك أيضاً آلان وست، الذي ضرب شرطياً عراقياً بقسوة كبيرة خلال الاجتياح وأطلق مسدسه وراء رأسه مباشرة لاستخلاص معلومات منه، وقد غُرِّم بـ5 آلاف دولار فقط وصرف من الخدمة، وتحدث عن الأمر خلال الحملة الانتخابية. تلك جرائم حرب مقبولة ثقافياً.

هل سيترك ذلك ضرراً على الجمهوريين واليمين المتطرف في أميركا؟

- سيؤثر ذلك في اليمين، فهو سيعمق معتقداته؛ لأنّ مناصريه سيشعرون بأنّهم ملاحقون، كلما انتقدهم أحد على الجو الذي رعوه وخرج منه برييفك، شعروا بالظلم، وحاربوا على نحو أقوى. دانيال بايبس، الذي اقتبس منه برييفك 18 مرة، ادعى أنّ النروجي قام بذلك لتقويض صدقيته! أما بام غيلر، فقد قالت إنّ الشبان الذين تعرضوا للاعتداء في المخيم هم «شبيبة هتلر» ومعادون للسامية، وإنّ برييفك مجنون، جوابها يبرر ما فعله. هؤلاء لا يخجلون. هناك عنصرية، في الإعلام خصوصاً منذ الثورة الإيرانية. الفكرة أنّه في حال قيام رجل أبيض بعمل عنيف فهو مجنون ولا أيديولوجيا وراء ذلك... ذلك النوع من العنف نتج من القيم الغربية، القيم الغربية المسيحية نفسها التي أخرجت اليهود من أوروبا، وكانت وراء وجود هتلر وستالين ومحاكم التفتيش. وذاك ما لا نريد الاعتراف به.




يُعَدّ بلومنتال أشهر من يتناولون موضوع كراهية الإسلام في أميركا. كتب في «نيويورك تايمز» و«لوس أنجلوس تايمز»، وصحف أخرى. تعرض لحملات إسرائيلية بسبب إنجازه فيلماً قصيراً من القدس عشية خطاب باراك أوباما في القاهرة في حزيران 2009، عرض فيه العنصرية ضد الرئيس الأميركي بسبب لون بشرته