كانت الأيام القليلة الماضية توحي بالتفاؤل في الدولة العبرية؛ فرغم أنَّ تقرير «بلمّر» يحمّل إسرائيل مسؤولية «الإفراط في استعمال العنف»، إلا أنه يشرعن الحصار على قطاع غزة، ويطالب إسرائيل بـ«إعراب الأسف» لا الاعتذار لتركيا، وهذا ما كان مهماً بالنسبة إلى تل أبيب. وقد تسرّب هذا الرضى إلى أروقة مكاتب الخارجية الإسرائيلية، لكنَّ الفرحة الإسرائيلية لم تكتمل، وخصوصاً لأنَّ رد فعل تركيا على التقرير يحمل بين طيّاته أعباءً سياسية أقوى بكثير من الفرحة المكتومة على تقرير الأمم المتحدة. السفير الإسرائيلي لدى تركيا، غابي ليفي، كان يستعد لإنهاء مهماته بنحو طبيعي من دون أزمة، لكنّه صار في عينها وبات في حكم المطرود من أنقرة. فالعلاقات التي كادت تتحسن بين البلدين نهاية عام 2010 مع تقديم الأتراك للإسرائيليين مساعدات لإطفاء «حريق الكرمل»، اشتعلت ثانية، ما خلق أزمةً تُعَدّ علامةً تاريخية في علاقات البلدين، وسط توقعات متضاربة بشأن مستقبلها، وخصوصاً أنَّ معلقين عسكريين وسياسيين إسرائيليين يرون أنَّ تركيا لا تزال تحتفظ بخط يعيد العلاقات إلى ما كانت عليه.


الإسرائيليون يعون جيداً أنَّ الاعتذار وحده كفيل بإعادة العلاقات. لكن حتى بعد طرد السفير يصممون على عدم الاعتذار. وفور صدور القرار التركي عقّبت محافل سياسية إسرائيلية بأنَّ إسرائيل «لن تعتذر عن عمليات الدفاع عن النفس لجنودها». ونقل موقع «يديعوت أحرونوت» الإلكتروني عن محافل سياسية إسرائيلية قولها إن «إسرائيل، كما كل دولة، لديها حق شرعي للدفاع عن مواطنيها وجنودها»، مبينين أن «دولة إسرائيل تتمنى أن تجد الطريق للتغلّب على الخلاف وتواصل العمل من أجل هذا الهدف».
لكنَّ وزيراً إسرائيلياً من المجلس الوزاري المصغر لم يكشف عن اسمه، قال للموقع نفسه إنَّ الأزمة الحالية هي «نتيجة سياسية أدَّت إلى تدهور. لم تكن ثمة حاجة إلى الاعتذار، لكن قطع العلاقات مع تركيا له تأثير على المدى البعيد. لقد نتجت هنا مشكلة للمدى البعيد»، مضيفاً أن هذه «ضربة قاضية للعلاقات الإسرائيلية مع العالمين العربي والإسلامي».
وعن علاقات التجارة العسكرية بين البلدين، قال مسؤولون إسرائيليون إنَّ الاتفاقيات العسكرية معلقة منذ عام، مضيفين أنَّ «التجارة العسكرية توقفت عقب قرار إسرائيلي؛ لأننا لن نرغب في المخاطرة وأن تسقط الأسلحة المصنوعة في إسرائيل بأيد غير صحيحة مثل الأيدي الإيرانية». وعقّب عضو الكنيست، عتنيئيل شنلر (كاديما)، قائلاً إن «المصلحة هي الحفاظ في الحد الأقصى على العلاقات مع تركيا؛ لأن هذه مصلحة إسرائيلية وشرق أوسطية على حد سواء»، فيما عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعاً مصغراً جداً لبحث الرد على الإعلان التركي بمشاركة وزير الدفاع إيهود باراك والمدير العام لوزارة الخارجية رافي باراك.
وقالت النائبة حنين زعبي (الصورة)، من التجمع الوطني الديموقراطي، التي كانت على متن أسطول الحرية أثناء الاعتداء عليه، إنه «رغم أن التقرير أكد استخدام الجيش الإسرائيلي القوة والعنف المفرطين وغير المبررين، إلا أنه في المقابل لم يطالب بمحاكمة المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، بل على العكس طالب تركيا بالتعهد بعدم مقاضاة الجنود الإسرائيليين»، مشدّدة على أن هذا «ما يؤكد أن هدف التقرير هو عقد «صلحة» بين تركيا وإسرائيل وتهدئة الأجواء والتغطية على الجريمة ليس إلا».
موضوع الاعتذار الإسرائيلي يدور في أروقة الجلسات ومنتديات الوزراء من فترة طويلة. رئيس الوزراء الإسرائيلي بحث القضية في أكثر من مرة مع السباعية الوزارية، حيث كان وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان ضد الاعتذار للأتراك، وكان أيضاً نائب رئيس الوزراء بوغي يعالون، أكثر صرامة في هذا الموضوع، حيث قال إن «الشرف القومي ليس مصطلحاً من الشارع، إنه مصطلح له معنى استراتيجي»، مشيراً إلى أن «(رئيس الحكومة التركية طيب رجب) أردوغان سيتجول من بعدها، ويقول إنه أخضعنا ويقول إنه أذلّنا، سيظهر كأنه قائد إقليمي في الشرق الأوسط. ولن يهدأ حتى بعد أن نعتذر». لكن في مقابل الاثنين، كان وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك يؤيد اعتذاراً مخففاً. ولم يصرّح باراك كثيراً بشأن القضية، لكن يبدو من التحليلات السياسية أن العلاقات مع الأتراك، وخصوصاً تلك المتعلقة بالأمن، غير قابلة للمغامرات. وبين المعسكرين، مال نتنياهو نحو معارضة الاعتذار، وأعلن للأميركيين قراره. قرار باركه ليبرمان، رغم أنه «جاء متأخراً»، على حد قول الأخير.
ويرى محلل الشؤون العسكرية لموقع «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، أنّ الأتراك ليسوا ذاهبين إلى تحطيم العلاقات كلياً مع إسرائيل، مشيراً إلى أن الأتراك يريدون أن يحفظوا مكانتهم كدولة مؤثرة في الشرق الأوسط. وقال إنّه «من دون علاقات مع إسرائيل، ستكون لتركيا قوة محدودة لتصميم وتوجيه أحداث في المنطقة». وتابع: «إن تركيا فقدت تماماً تأثيرها في سوريا وليبيا. ولم تظهر قدرة دبلوماسية تحذيرية. وبين أنقرة والقاهرة ثمة تنافس سري، والعلاقات مع إسرائيل هي عقار هام في القدرة على خلق وزن مناقض للمصريين وإيران».
لكن بن يشاي ترك الكثير من الأمور من دون أخذها في الاعتبار، هو أنَّ العلاقات الإسرائيلية التركية مهمة بالنسبة إلى إسرائيل أكثر من أهميتها لتركيا، هكذا كانت، وهكذا على ما يبدو ستكون مستقبلاً.