أتعلمين كم مرة مُتّ، كم مرة التقطتُ أنفاسي الأخيرة؟ كلا يا عزيزتي أنا لست أحلم، وليست عندي أصلاً أحلامٌ كثيرة. «فأنا، أحمدُ العربي لم أعد أعيش فيهم»، فرشوا أضلاعي طول الطريق وساروا إلى مخيماتٍ أُخرى، لم تعد ذكراي تعيش فيهم ولو سُردت فيّ النصوص ونظمت ليّ القصائد. خمسة وثلاثون عاماً كانت كافية لينسوا تل الزعتر، كافية لينسوا ثلاثة آلاف شخص دفنوا تحت الركام، لينسوا أغنيتي ويمضوا إلى حيث لا أدري ولا يدرون. «للشعب الفلسطيني الحق في تقرير مصيره»، كم يشعرني بالخيبة هذا الشعار، فأنا وغيري لم نقرر أن نموت يوماً، كان حلمي أن أبني بيتاً صغيراً، كان حلمي أن أتزوّج صبية أحببتها، أن أنجب بنتين وأربعة صبيان، في حلمي كانت عائلتي كبيرة. فعن أيّ مصيرٍ يتحدث هؤلاء؟ مصيرنا في اللجوء أم مصيرنا في الموت؟

أتعلمين يا عزيزتي أنني في صباي كنتُ رومنسياً، كنتُ أطارد عشيقاتي أمام باب المدرسة. أحببت منهن صبيتين، وواعدتُ غيرهن ثلاثاً، كنتُ مراهقاً عابثاً لا أفقه في الأخلاق شيئاً، ومتّ صغيراً قبل أن أُضرب كفاً واحداً على «رذالتي»!
كنتُ أشرب القهوة استعراضاً لرجولتي وليس حُباً بها، وكنتُ أدخن السجائر خلسةً في حمامات المدارس، كم كنتُ سخيفاً في مراهقتي، ولو أنني كنتُ أعرف أنني سأموت لما كنتُ دخنتُ السجائر من دون علم أبي! لو تركوني أعيش قليلاً لما تطاولت على أمي يوماً بسبب طبخة لا أحبها، وكنتُ راجعت كرّاسي المدرسي لكي أكون متفوقاً على صفي، لكي أكون مهندساً أو طبيباً أو كيميائياً، أو ربما شاعراً يتغنى بحب فلسطين في دواوين لا تُعد ولا تحصى.
أتظنين أنهم كانوا سيدعونني أصبح طبيب أطفالٍ لو تركوني حياً؟ كنتُ أحب الأطفال كثيراً، ولو كنتُ حياً الآن لأنقذت العديد من الأرواح! كم بكيت على الأطفال وهم يموتون بجواري وأنا لا أفعل شيئاً، كنتُ أتمنى أن يكون لي أطفالٌ يا عزيزتي، ولكنني لم أكن لأتحمل أن أشاهد موتهم أمام عيني.
رأيت الناس وهم يعودون من جنازتي يرثون مماتي، كسروا أضلاعي يا عزيزتي ومضوا إلى حيث لا أدري ولا يدرون. لو كان لي أن أختار موتي لما متّ إلّا بين يديكِ، لما رأت عيناي غيركِ في لاحظاتي الأخيرة، لما استنشقت إلّا رائحتك في أنفاسي البطيئة. لو كان لي، لمُتّ لأجل عينيكِ مرات كثيرة يا بيروت، دفاعاً عن أرضك كما لو كانت أرضي، لقضيتك كما لو كانت قضيتي، عنك كما لو كنتِ لي وحدي. لكنهم قتلوني أكثر من مرة، باسمك وأنا أعلم أنكِ ما كنتِ لتقتليني من أجل أحد!