I

خطة موقعة الكماشة في العباسية قديمة:
1 ــ بيان من المجلس العسكري يستهدف حركة من الحركات المشاركة في الثورة، ويتهمها بالخيانة والعمالة، اختار البيان أضعف حلقات الثورة (حركة 6 أبريل). ضعفها من خلافات بين عضويتها الرئيسية بشأن الموقف من التمويل. خلاف لا يرقي الى التخوين، لكنه وجهات نظر في مسألة الاستفادة من الدعم المالي.
2 ــ البيان يحرض الشعب على إنقاذ الجيش من المؤامرة المدفوعة الأجر.
3 ــ اللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية يأخذ دوره في الإعلام ويشرح ما لم يستطع بيان المجلس شرحه. ويقول بالنص إن الثوار تدربوا على الثورة في كرواتيا (يقصد صربيا).. وتمتد اتهاماته لتصبح حركة كفاية ليست مصرية، والنبرة اتهامية، تحريضية، لكي ينقذ «الشعب» جيشه من «الجواسيس».
4 ــ فرق الشائعات تنشر في العباسية أن «الثوار قادمون» لاحتلال العباسية واحتلال بيوتها بالسيوف والمولوتوف.
5 ــ الشرطة العسكرية تضع حاجزها عند مسجد النور (في قلب ميدان العباسية) ليبدأ حصار الثوار بكماشة بين حاجز الشرطة العسكرية وفرق بلطجية منتشرة وسط أهالي يتحركون بدوافع الخوف والرعب من «الشياطين القادمين من التحرير». وهذا يعني ببساطة أن المجلس استعان بكل أسلحة مبارك المحرمة سياسياً لضرب الثوار، باسم «الثورة» هذه المرة.
II
اللواء حسن الرويني بطل موقعة الكماشة بامتياز، فيها أدّى دور عمره، وكان ظهوره التلفزيوني المتكرر كلمة السر الى من يفهم بأن هناك قراراً بتصفية قوى الثورة. اللواء الرويني لم يجهد نفسه لإخفاء موقفه الحقيقي من الثورة. قال إن حركة «6 أبريل» تدربت على الثورة في صربيا، وهو ما يعني أنها مؤامرة خارجية، نفس منطق مبارك الذي كانت تحميه أميركا، ويطلب من الشعب مساندته ضد مؤامرة أميركية لإسقاطه. وهي ثقافة أقدم من اللواء الرويني ومن مبارك نفسه، الملك فاروق كان يبحث عن مؤامرة خارجية دائماً في كل محاولات الثورة، وخصوم «الضباط الأحرار» وصفوها بأنها ثورة أميركية.
ثقافة تدافع بها السلطة عن نفسها، مستلهَمة من عبقري الاستبداد أدولف هتلر، الذي قدم نصيحة إلى المستبدين في كل زمان ومكان على طريقة كيف تروض شعباً كاملاً في 3 خطوات: «1 ــ ازرع الخوف في الشعب، 2ــ ارفع درجة تهديده في الأمان، 3 ــ اصنع له عدواً».
سيسير الشعب قطعاناً قطعاناً وراء المستبد، وهذا ما حدث في العباسية، حيث نشرت فرق الشائعات المدربة على كتب «الحرب النفسية». اللواء الرويني نفسه اعترف، في مكالمة لقناة «دريم»: «كلما كنت أريد تهدئة الميدان، أطلقت شائعة عن محاكمة أحمد عز».
ويبدو أن اللواء لم يعرف أنه ليس في ساحة معركة، ولا يقود حرب الترويض على الشعب الثائر على النظام، لكنه مشارك في مجلس يحكم، وله سلطة وصدقية لدى جموع شعب لن تشعر بالأمان كلما رأت قبعة حمراء في الشارع، بل عندما يصدق الحكام ويحترمون الشعب الذي دفع ثمن الرتب النحاسية التي تحملها أكتافهم.
III
كيف يحكم المجلس العسكري مصر بالشائعات؟ ولماذا لم يعتذر المجلس عن اعترافات اللواء الرويني؟ وهنا الدهشة ستكبر جداً.
هل يعدّ المجلس نفسه في حرب ضد الثورة؟ هل اللواء الرويني هو الاتجاه العام في المجلس؟ هل هناك قرار بتصفية الثورة والدخول في حرب ضد الثوار؟
الحقيقة أن موقعة الكماشة في العباسية تقول الكثير. تقول إن هناك تحالفاً مع قوى إنقاذ نظام مبارك، وفي مقدمتها البلطجية، وذلك حسب شهادات من شهود عيان، وتقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة للمجلس القومي لحقوق الإنسان. وتقول المعركة أيضاً إن إرادة المجلس تهدف الى ترويض الشعب لا منحه حق بناء نظام ديموقراطي جديد، وهذا ما جعل المجلس بعد مليونية 8 تموز يرمي فتات المطالب من التعديل الوزاري الى تصوير أنس الفقي أمام محاكمة صغيرة، ليصنع جدلاً بشأن استمرار الثورة، ثم يضرب الثوار بالكماشة المكونة من الشرطة العسكرية والبلطجية والأهالي المذعورين من شائعات الحرب النفسية.
لماذا يخوض المجلس حرباً نفسية ضد الثورة؟ ولماذا أصدر قضاة المحكمة العسكرية أحكاماً قاسية (تصل الى 15 سنة) بحق المعتصمين (في الاسكندرية)؟ يرى البعض في موقعة الكماشة تجسيداً لشبح 1954، عندما تحالفت قوى سياسية مع مجلس الجنرالات، ودبروا معاً تظاهرات تهتف ضد الديموقراطية ليتراجع الضباط الأحرار عن العودة إلى الثكن، ويحكموا مصر 59 سنة كاملة.
وغالباً الظرف الآن يختلف، والشبح جديد تماماً، ظهر في ذكرى ليلة انتصار الضباط الأحرار، كأنه تأكيد على أن معركة الثوار لم تكن فقط ضد مبارك، بل أيضاً ضد جمهورية الآباء القادمين من الثكن.
IV
في مداخلة تلفونية تحدث لواء الى قناة «دريم»، وقال: «الجيش يعلّم الشعب أول سنة في الديموقراطية». مبارك لن يدخل التاريخ لأنه قائد طلعة جوية في حرب اكتوبر، بل لأنه قائد فرق الاستعمار الوطني التي احتلت مصر ٣٠ سنة، وحولتها الى مزرعة تسمين ثروات لعصابة صغيرة جداً. حكم مبارك باسم «وطنية» كانت ترى في كل المعارضين عملاء وواجهات لقوى خارجية. مبارك كان يتحدث عن «المصالح العليا للوطن»، التي لم تكن سوى قيم غامضة يمكنه باسمها أن يروّض شعباً كاملاً، إما بالتخويف أو بالتخوين.
«الوطنية» هي الطاعة في رأي من يمسك السلطة، ويروض الشعب الى الطريق الذي يريد؟ كانت «الوطنية»، أو قمّتها العالية، هي الحرب مع اسرائيل، وعندما هُزمت القوات المسلحة أصبحت الوطنية هي الاستنزاف، فالحرب الكبرى، ثم فض الاشتباك، وهنا انقسمت الوطنية الى «تفاوض» و«لا تفاوض»… وهنا أصبحت «الوطنية» هي السلام مع اسرائيل، والخارج عنها جاسوس وعميل لقوى خارجية، ويحاكم ويوضع في السجون. وهكذا فالمصالح العليا هي ما تراه السلطة وتريده. والخارج عنها جاسوس… وحاقد ومأجور.
هذه تقاليد «الوطنية» الكاكي، وطنية الطاعة والطوابير وقطعان تحارب بأوامر وتسالم بأوامر. المشكلة عندما انتقلت هذه الوطنية الكاكي الى المجال المدني، وطلبت السلطة من الشعب التحول الى «جنود» في معركة لا أحد يعرف متى تنتهي. هل يعقل أن مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تُقنع فيها السلطة شعبها بأنه معرض للمؤمرات ولا فرق بين عبد الناصر والسادات ومبارك والمجلس العسكري؟ هل من الطبيعي أن كل معارضة «لا تسمع الكلام» تصبح مأجورة، وتعمل ضد «المصالح العليا»؟
الحقيقة أن هذه كلها مفاهيم مستوحاة من تصور هتلر عن الدولة. تصور يضع الشعب في حالة طوارئ، ويبعده عن المشاركة أو المطالبات، لأننا في «حرب»، وهي شيء لا تفهمه سوى قلة قليلة، خبراء هم الذين يعرفون وحدهم «المصالح العليا» للوطن.
وهذه تصورات واهمة، لأن المصالح العليا هي الفرد الذي يجب أن يشعر بالأمان والكرامة والحرية والعدالة قبل الخبز دائماً. الفرد هو الأمن القومي في الدول الديموقراطية، حين لا يتعلم الشعب الديموقراطية ولا الوطنية من الجيوش.

«جمعة الشمل» أو «الصراع على الهويّة»؟




إنها الجمعة المثيرة، بدأت باستعراض قوى للإسلاميين تحت اسم «جمعة الهوية»، والتهديد كان واضحاً للجميع «نحن هنا وسنريكم أننا نستطيع جمع 5 ملايين يحتلون التحرير وميادين مصر دفاعاً عن إسلامية مصر». وقبل أن ترتفع هواجس الحرب على «التحرير» من جماعات ترفض الهجوم أو الصدام مع المجلس العسكري، حدثت موقعة الكماشة في العباسية، وانكشف مخطط تصفية الاعتصام في الميدان.
هنا ارتفعت الهواجس وانتظر «الميدان» مذبحة في جمعة الهوية، وهو ما استدعى تحركاً عكس «الصراع على الهوية» أو استعراض القوى، واجتمع الإسلاميون مع قوى ليبرالية ويسارية وفكروا لأول مرة سياسياً، لتتحول الى جمعة «الشمل» أو «وحدة الصف» أو غيرها من إعادة لحظة الميدان. الهواجس لم تنته، والاتفاق السياسي على المحك، والسؤال المتكرر: ماذا سيحدث اليوم؟ رعب وخوف واستعراض قوى، وفي المقابل نزعة عاقلة تدفع الجميع الى نقطة لقاء أو توافق.
هل ينتصر الرعب وتتحول الجمعة الى مذبحة تعلن انتصار منهج فرّق الشعب تسد؟ هل ستنجح أجنحة الباحثين عن الغنائم في التيارات السياسية؟ أم ستولد من الثورة شرارة جديدة تشحن قوى تلعب السياسة ولا تحولها الى حروب أهلية ينتصر فيها من يقصي الآخر؟ هل يقدر جهاز المناعة الذي منحته الثورة شباباً، أن يحمي الثورة من أسلحة خرجت من مخازن المستبد الجديد؟
في الواقع أنّ في الثورة جناحاً لن يرضيه إلا اكتمالها الذي يعني: كسر السلطة أو أي نظام سلطوي... الى الأبد. ولهذا فإن اللعب على تقسيم الثوار الى مؤمنين وكفار، علمانيين وإسلاميين... وطنيين وعملاء، لعب بالنار، واستعادة لمخطط إحراق مصر. لن تنتهي الثورة بانتصار كاسح لفريق، وإلغاء فريق آخر، ستنتصر الثورة عندما يجري الاعتراف بالحق في التعدد السياسي، ويتوافق الجميع على دستور يحترم حرية الفرد والجماعات، ويحمي الأقليات ولا يسمح بولادة فراعنة جدد بأسماء أنيقة.
مصر اليوم تلعب سياسة لأول مرة من 59 سنة. الثورة لم يكن لها جناح مسلح لتسيطر بواسطته على الحكم فوراً، وكانت ضربتها الأساسية: تحرير المجال السياسي. الانتصار الكبير للثورة أن السياسة أصبحت في كل مكان، ولم تعد حكراً على كهنة النظام وفرق مناوشتهم في المعارضة. اتساع مجال الاهتمام بالسياسة مكسب ثوري خطر على أي قوة سلطوية تريد استيعاب الثورة وجرجرتها الى الشوارع الجانبية.
وفي إطار إنجاح الثورة ومحاكمة رؤوس النظام السابق، أعلن مساعد وزير العدل لشؤون المحاكم، المستشار محمد منيع، أن محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك المقررة في 3 آب المقبل ستجرى في القاهرة. ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية عن منيع قوله «إنه تقرّر بصورة نهائية أن تجري محاكمة مبارك ونجليه علاء وجمال، ورجل الأعمال الهارب حسين سالم، وكذلك محاكمة حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق، و6 من كبار معاونيه، داخل مبنى الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في أرض المعارض بمدينة نصر في القاهرة».