دمشق | استجابةً لجملة الاصلاحات التي أعلنها الرئيس السوري بشار الأسد، سرّعت الحكومة السورية إصدار قانون الأحزاب، وبعد أيام قليلة صدر قانون الانتخابات، أما قانون الإعلام فقد انتهت اللجنة المكلفة بصياغته من عملها، وأصبح القانون جاهزاً بانتظار إقراره من رئاسة مجلس الوزراء السوري. ومن أهم المواد التي تضمنها القانون الجديد المادة 91 التي تسمح بانتقاد سياسات رئيس الجمهورية لا شخصه «لأن السياسات والممارسات هي موضوع للتداول، أما في ما يتعلق بالمساس بشخص الرئيس فهو من المحظورات».


وفي ما يتعلق بقضايا النشر ومساحة الحرية التي أقرها القانون الجديد، فقد حظر نشر الجلسات السرية والجلسات المتعلقة بحالات اجتماعية خاصة.
أما محاكمة الإعلامي على جناية شخصية، أو مخالفته قواعد العمل، فقد أصبحت تتم على مرحلتين بدلاً من ثلاث كما كان يعمل به سابقاً، ولا يحق للإعلامي الحصول أو الاطلاع على محاضر التحقيق القضائية، أو ما تمنع المحكمة نشره. هذه المادة من قانون الإعلام التي ستصبح سارية المفعول بعد صدور القانون رسمياً، سبق أن اعترض عليها عدد كبير من الإعلاميين أثناء انعقاد اللقاء التشاوري الممهد للحوار الوطني. في ما يتعلق بشروط منح تراخيص رسمية لجميع الوسائل الإعلامية المختلفة ـــــ المقروءة والمسموعة والمرئية والالكترونية ـــــ لم يطرأ عليها تعديل يذكر، ومن أهم ما أقره قانون الإعلام الجديد، إلغاء عقوبة السجن بحق الصحافي، واستبدالها بغرامات مالية، حسب الخطأ أو المخالفة التي يرتكبها.
وبعدما تداولت مواقع الكترونية عديدة مسودة مشروع قانون الإعلام المتوقع صدوره خلال الأيام القليلة المقبلة، تعددت الآراء ووجهات النظر لدى مختلف الإعلاميين والشاغلين في مجال الصحافة والنشر والمحطات الإذاعية والتلفزيونية، حول فقراته ومواده المختلفة.
الصحافي المستقل، راشد عيسى الذي يعمل في العديد من الوسائل الإعلامية، قال لـ«الأخبار»، «يعجبني من قانون الإعلام الجديد، تلك الفقرة التي تقول ـــــ إن أي إهانة أو اعتداء على الإعلامي بسبب قيامه بمهامه، يعد بمثابة اعتداء على موظف رسمي حسب القوانين النافذة». ويتساءل عن جدية تنفيذ هذه القوانين على أرض الواقع في يومنا هذا، محاولاً الربط بين الحرية التي يمنحها قانون الإعلام الجديد، وأحداث الانتفاضة السورية التي تعيشها البلاد، قائلاً «هل بإمكاني اليوم أن أتحرك بحرية في أماكن الحدث، في كناكر وحمص ودوما ودرعا وسواها، من دون أن أتعرض لمضايقة أشد، وبالذات لأنني صحافي؟ هل يعني ذلك أنه سيكون مسموحاً للصحافي أن يتجول بكاميرا ويساهم في كشف الحقيقة كما ينبغي له؟». ويتطرق عيسى أيضاً لمسألة قانون الإعلام الإلكتروني التي لم تولها اللجنة المعدة قانون الإعلام الجديد الأهمية التي تستحقها، مشيراً إلى أنه مع اتساع رقعة الإعلام الإلكتروني في سوريا «يمكن أن نجادل مثلاً في قانون الإعلام الالكتروني، وهذا جزء مضاف وجديد كلياً على قانون الإعلام، ومن شأنه اليوم أن يجعل مساحة القول أضيق، إذ شكلت وسائط الميديا الحديثة اليوم بديلاً حقيقياً وضرورياً، استطاع أن يكشف ويوصل الصوت فالتاً من أسلاك الرقابات الشائكة».
ويؤكد عيسى أن المشكلة لا تنحصر في سلبيات القانون الجديد، بل في السلطة القضائية المخولة تطبيقه «لكننا في النهاية لن نجادل في هذا القانون، فالأمر لا يقع هنا، بل في صدقية تطبيق هذه القوانين، وفي الإمكانيات الواسعة للتفسير، الأمر الذي يحتاج إلى قضاء مستقل ومحايد». ويضيف «المسألة إذاً ليست قانون إعلام، حتى لو كان سويسرياً، المسألة في حزمة متكاملة من إعلام وقضاء وانتخابات وسواها. المسألة في صدقية من سيقف على تطبيق كل ذلك».
من جهته، انتقد الصحافي والكاتب السوري زيد قطريب في مداخلته عبارات تضمنتها بعض مواد القانون الجديد، قائلاً «المشكلة في هذا النوع من القوانين، تكمن في الفقرات التي تعوّل على «النية» أو التي تكون فضفاضة وقابلة للتأويل في الوقت نفسه، ففي البند الأول من المادة الثالثة، كان من الأفضل لو اقتصر البند على ـــــ احترام حرية التعبير ـــــ من دون التتمة التي تقول: «على أن تمارس هذه الحرية بوعي ومسؤولية». فالجملة هنا تأويلية واحتمالية، تكاد تعتمد على تحليل النوايا، وهو ما يترك المادة الصحافية وحرية الصحافي تحت الضغط بشكل ما».
وبرر قطريب انتقاده لمثل هذه العبارات، لما تسبب فيه قانون المطبوعات التابع بشكل أو بآخر لقانون الإعلام القديم، من سجن ومحاكمات تعسفية بحق عدد من الصحافيين والإعلاميين، مشيراً إلى أن «هذه المواربة في التعبير اللفظي، حفل بها قانون المطبوعات الحالي، والذي ترك المجال واسعاً لرفع قضايا القدح والذم ضد الصحافي في محاكم بداية الجزاء، وهو نوع من تقييد الحريات». ويضيف «الأمر نفسه يظهر في البند الحادي عشر من المادة الثالثة في الفصل الثاني من مسودة قانون الإعلام الجديد، فضرورة الالتزام بجميع الاتفاقيات التي التزمت بها سوريا كما يقول البند، ستعني حكماً عدم التعرض لنقدها أو إبداء الرأي بها كأضعف الإيمان!».
ويتابع قطريب قائلاً: «موضوع العبارات الاحتمالية التي لا مبرر لها، يتكرر في الفصل الثالث المتعلق بالحقوق والواجبات، ففي البند الأول من المادة الرابعة تعاد المشكلة نفسها عندما يقول القانون: تحظر الرقابة المسبقة على المحتوى الإعلامي، وهذا لا يعفي من المسؤولية القانونية المترتبة عليه». ويتساءل «لا أدري لماذا استحضار الجزء الثاني من البند المتعلق بالمسؤولية القانونية والتي تعني في ما تعنيه ممارسة الحرية «بوعي ومسؤولية» كما يقول القانون في البند الأول من المادة الثالثة، فمن سيحدد إن كان الاعلامي قد مارس حريته بوعي ومسؤولية أم لا؟. فالواضح أن الحرية حرية دون أية إضافات أو ملحقات!».
كذلك ينتقد قطريب أيضاً التناقضات التي تضمنتها العديد من مواد القانون الجديد «دائماً كانت المشكلة في الجزء الثاني من كل مادة، والذي كان بمثابة تفريغ للجزء الأول المهم للإعلامي، فالبند السادس من الفصل ذاته يعطي للإعلامي الحق في توجيه النقد للشخصيات العامة، «على أن يستهدف المصلحة العامة»، وهنا أيضاً عودة إلى قراءة النيات المفترضة عند الصحافي وبالتالي بقاء الباب مفتوحاً من أجل محاسبته بشكل ما».
على الجانب الآخر، وفي باب الحقوق والواجبات، تبدو المدة الزمنية التي أعطاها البند الثالث من المادة الرابعة في الفصل الثالث، طويلة بالنسبة إلى العمل الإعلامي والتي حددها القانون بسبعة أيام دوام من أجل الحصول على المعلومة. كذلك ظل المجال مفتوحاً أمام المؤسسات الرسمية والخدمية كي لا تجيب على المعلومة، وذلك عبر كتاب خطي معلل بالسبب، وهو أمر سهل جداً بالنسبة إليها».
أما مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، مازن درويش، فتحدث لـ«الأخبار» عن بعض فقرات دراسة يعمل عليها، حول قانون الإعلام المنتظر، وأولى ملاحظاته على مسودة القانون «تتعلق بطبيعة المجلس الأعلى للإعلام وطريقة تشكيله»، قائلاً «ما أخشاه في هذا الخصوص، أن يتم تشكيل المجلس من السلطة التنفيذية، وبالتالي يتحول إلى جهة تنفيذية بديلة لوزارة الاعلام ومجلس الوزراء، لكن بنفس الأدوات والعقلية والأهداف».
ويتطرق درويش في دراسته إلى آلية إعطاء الترخيص للوسيلة الإعلامية «تم الإبقاء على آلية الترخيص بديلاً عن الاخطار، وكذلك لم يرد في القانون أي ذكر لتحرير الإعلام من سيطرة الحكومة، التي لا تزال تسيطر على التوزيع والاعلانات، وهي مفاصل أساسية في العملية الإعلامية، وكذلك الابقاء على تحديد من هو الإعلامي من خلال اتحاد الصحافيين الذي يتبع كلياً الى السلطة السياسية، والذي لا يقبل الصحافي الخاص في صفوفه الا بصفة مشارك على سبيل المثال».
وتطرق درويش أيضاً إلى عدم منح قانون الاعلام الجديد الإعلامي أو الصحافي أي شكل من أشكال الحصانة «القانون منع الحبس الاحتياطي عن الصحافيين، لكنه ابقى على إمكانية سجن الصحافيين وفقاً لقوانين اخرى، مثل قانون العقوبات، حتى في القضايا التي تتعلق بالنشر، بالإضافة الى الغرامات المالية الباهظة جداً».




«السوري للتغيير» ينتقد القوانين الجديدة

أعلن «المؤتمر السوري للتغيير» المعارض الذي اجتمع في أنطاليا بتركيا في أيار الماضي رفضه «القاطع» للصيغة النهائية لمشروع قانون الانتخابات العامة، و«مشروع قانون الأحزاب» في سوريا. ووفقاً لـ«اليونايتد برس انترناشونال» قال المؤتمر في بيان أصدره إن هذه المشاريع صدرت «أساساً عن نظام فاقد للشرعية الوطنية، منذ وصوله إلى السلطة». وأضاف «إن محاولات النظام لاستعادة ما أمكن له من رضى عالمي، وتخفيف الضغط الدولي عليه، من خلال طرح هذين المشروعين وغيرهما، لن تجدي نفعاً، ولن تعيد الزمن إلى الوراء». واشار إلى أن «قراءة لقانوني الانتخابات والأحزاب، تكشف مدى ضحالة الطرح الإصلاحي، وتُسقِط عن وجه النظام قناعه الإصلاحي، الذي يحاول تثبيته بصورة يائسة خوفاً من الثورة الشعبية العارمة».
(يو بي آي)