دمشق | مع بداية الثورة المصرية، اعتصم عدد من المثقفين السوريين، معظمهم كانوا من فئة الشباب، أمام السفارة المصرية في دمشق، في حركة عُدّت الأولى من نوعها منذ زمن بعيد عندما كان للمثقف حضوره مع عامة الشعب، أكثر منه على صفحات الجرائد والكتب وغيرها.


اُتبع هذا الحراك الاستثنائي باعتصام مماثل أمام السفارة الليبية عشية الأحداث الدامية والمجازر التي ارتكبها معمر القذافي بحق شعبه الأعزل، لكن سرعان ما غاب دور المثقف السوري على أرض الواقع، مع بداية الأحداث السورية، واقتصر حضوره على إطلاق عدد من البيانات المتباينة، بين مؤيدة ومعارضة للطريقة التي تعامل معها النظام السوري في مواجهته للانتفاضة الشعبية، كانت حصيلتها خلق انشقاق واضح بين الفنانين والمثقفين السوريين، لا تزال تبعاته حاضرة حتى اللحظة.
وبعد مرور نحو أربعة أشهر على الانتفاضة السورية، قرر عدد من المثقفين السوريين أخيراً، الخروج في أول تظاهرة سلمية «والنزول إلى الشارع إلى جانب أخوتنا الذين قدّموا من دمائهم وعذاباتهم الكثير ليجلبوا لنا الحرية، هذا الحقّ الذي أقرّته كل الشرائع السماوية، والمواثيق العالمية»، حسب ما جاء في بيان «معاً إلى الشارع» الذي نشره المثقفون الناشطون والمنظمون للحدث في صفحة «مثقفون لأجل سوريا» على موقع التواصل الاجتماعي «الفايسبوك».
وأكدت السيناريست السورية ريما فليحان، إحدى المنظمات لهذه التظاهرة، أن الهدف الأساسي من مشاركتها هو «تأكيد انتمائنا نحن المثقفين إلى جماهير الشعب، ومشاركتنا في الحراك الشعبي المطالب بالحرية والعدالة والمساواة».
ولدى سؤالها عن الأسباب الكامنة وراء تأخر هذا الحراك، قالت فليحان إن «هناك العديد من أصدقائي المثقفين يشاركون دورياً في التظاهرات، لكن من دون إعلان ذلك للصحافة ووسائل الإعلام، والعديد منهم تعرضوا للاعتقال، كما حدث أخيراً مع المخرج المسرحي أسامة غنم في المكان نفسه الذي دعينا للتظاهر فيه، ومنهم من لا يزال معتقلاً لأسابيع عدة مثل الصحافي عمر الأسعد والناشط أدهم القاق وغيرهم».
على الأرض انتشرت قوات أمن سورية وشرطة حفظ النظام بكثافة منذ ظهر أمس في منطقة الميدان، وتحديداً عند جامع الحسن، المكان الذي اتفق أن تنطلق منه التظاهرة. ومع اقتراب عقارب الساعة من السادسة، كانت تقريباً جميع الطرق المؤدية إلى الجامع مغلقة بالنسبة إلى السيارات، ما اضطر الجميع إلى النزول من سيارات الأجرة في أماكن بعيدة والمشي نحو المسجد. لكن مع اقتراب الناس من المسجد، طلبت منهم قوات حفظ النظام الموجودة التراجع، فأصبح التجمع قبل الجامع بنحو مئة متر، فبدا أن التظاهرة هي حدث اعتيادي وخالية من عدد كبير من المثقفين، لكن الواقع أنه كان هناك عدد من الناس وصلوا باكراً وتجمعوا أمام المسجد غالبيتهم من المثقفين، انضم إليهم فايز سارة، أحد رموز المعارضة السورية، وتجمع مع مجموعة من الصحافيين والكتاب، منهم يعرب العيسى وراشد عيسى ومحمد الأمين وعثمان جحا وإيمان الجابر. وعند ازدياد العدد، طلب الأمن بكل هدوء من الجميع التفرق حالاً ومغادرة المكان. وبمجرد سير الناس، تجمعوا على نحو عفوي بعدد يقارب ثلاثمئة شخص وبدأوا بترديد النشيد السوري الوطني وأعادوا ترديده مرة ثانية ثم انطلقت الهتافات «الله سوريا حرية وبس» و«واحد واحد واحد الشعب السوري واحد»، فيما رفع نحو عشرة شبان لافتات وصور مؤيدة للنظام وهتفوا بحياة الرئيس.
بعد دقائق معدودة، وصلت تعزيزات أمنية مكثفة وهاجمت المتظاهرين الذين تعالت أصواتهم «سلمية سلمية»، قبل أن يلوذ معظمهم بالفرار أثناء حملة اعتقال لنحو ثلاثين شخصاً ممن وصلوا في البداية. وقد تأكدت «الأخبار» من أسماء عدد منهم، وهم: الممثلة مي سكاف والكاتبة ريما فليحان والكاتبة يم مشهدي والمخرج السينمائي الشاب نضال حسن وشادي علي والممثلان الأخوان ملص والصحافي إياد شربجي رئيس تحرير مجلة «شبابلك».
ويقول الكاتب والسيناريست الشاب عثمان جحا لـ«الأخبار» إن «الوقفة كان مقرراً لها أن تكون وقفة اعتصامية مع دماء شهداء الوطن والمعتقلين السياسيين في السجون السورية ومحاولة لدعم المطالب المحقة والمشروعة للشباب السوري والشارع عموماً». ويضيف: «الهدف أن نقول إن الإصلاح يجب أن يحصل سريعاً دونما تسويف وانتظار صدور مراسيم، ولا بد للسلطات السورية من السماح بالتظاهر السلمي حتى تفرز شباباً قادرين على الحوار إذا بقىت فسحة ما للحوار للوصول إلى بر الأمان، ولا بد من دمج البعثيين في المجتمع بعدما صاروا شلة منغلقة على نفسها».
جحا كان يتوقع الحل الأمني وينفي أن تكون التظاهرة قد حققت هدفها أو أوصلت صوتها، لأن «كل التظاهرات في سوريا لا يصل صوتها، ولا تحقق أهدافها، فلو حقق شيء من هذا لما اضطر المتظاهرون إلى النزول إلى الشارع من جديد».
إذاً باختصار، يمكن القول إن التظاهرة تفرقت بدقائق، ومنظموها باتوا ليلتهم في السجن.
تم تعديل هذا النص عن نسخته الأصلية بتاريخ 18 تموز 2011 | 1:02 PM