غداة إعلانه العفو العام، أنشأ الرئيس السوري بشار الأسد هيئة لوضع أسس للحوار الوطني، في وقت أكد فيه ناشطون إطلاق مئات المعتقلين السياسيين من السجون كأحد مفاعيل قرار العفو العام الذي انقسمت المواقف الدولية تجاهه

أصدر الرئيس السوري بشار الأسد، أمس، قراراً جمهورياً يقضي بإنشاء هيئة تكون مهمتها وضع الأسس لحوار وطني وتحديد آلية عمله وبرنامجه الزمني. وذكرت وكالة الأنباء السورية «سانا» أن «الهيئة تتألف من السيد فاروق الشرع، الدكتور صفوان قدسي، الدكتور هيثم سطايحي، الدكتور ياسر حورية، السيد حنين نمر، السيد عبد الله الخاني، السيد وليد إخلاصي، الدكتور منير الحمش، والدكتور إبراهيم دراجي».
وخلال اجتماعه مع أعضاء الهيئة، قال الأسد، بحسب «سانا»، إن على «هيئة الحوار الوطني صياغة الأسس العامة للحوار المزمع البدء به بما يحقق توفير مناخ ملائم لكل الاتجاهات الوطنية للتعبير عن أفكارها وتقديم آرائها ومقترحاتها بشأن مستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا، لتحقيق تحولات واسعة تسهم في توسيع المشاركة، وخصوصاً في ما يتعلق بقانوني الأحزاب والانتخابات وقانون الإعلام، والمساهمة في وضع حدّ لواقع التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه بعض الشرائح الاجتماعية».
وأكد أن «هذا الحوار أصبح ممكناً وقادراً على توفير نتائج أفضل بعد صدور العديد من القرارات والمراسيم التي تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية وتعزيز المشاركة من مختلف المكونات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين».
في هذا الوقت، قال رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، إن السلطات السورية أفرجت عن مئات المعتقلين السياسيين «بموجب العفو الرئاسي، من ضمنهم 50 من بانياس، من بينهم الشاعر علي درباك (76 عاماً)». ولكنه قال إن «آلاف المعتقلين السياسيين لا يزالون في السجون، ومن المفترض أن يُطلق سراحهم في أيّ لحظة».
ونال قرار العفو ترحيب تركيا التي أكدت على لسان وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو، أن «إصلاحاً شاملاً» يجب أن يتبع تلك الخطوة التي قلّلت واشنطن وفرنسا من أهميتها. ونقلت وكالة أنباء الأناضول عن داوود أوغلو قوله، في مقابلة متلفزة، «إن عفواً عاماً كان ضرورياً من أجل الإصلاحات السياسية»، مشيراً إلى أن العفو سيكون مفيداً «مبدئياً، لكنه لن يتيح حل الاضطرابات في سوريا إذا لم تتبعه عملية إصلاح يكون لها وقع قوي» على الشعب السوري.
في المقابل، بدا الموقف الأميركي أكثر تشدداً بعدما رأت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن الرئيس السوري لم ينخرط في أي إصلاح، وأن موقف حكومته «يصعب تقبّله» يوماً بعد يوم. وبعدما أشارت إلى أن الأسد «لم يدع إلى وقف العنف تجاه شعبه ولم ينخرط جدياً في أي نوع من جهود الإصلاح»، أوضحت كلينتون أن «كل يوم يمر، يصبح تقبّل موقف الحكومة (السورية) أكثر صعوبة ومطالب الشعب السوري بالتغيير أكثر قوة»، مشيرةً إلى أنه «لهذا السبب نحن نواصل الدعوة بإلحاح إلى إنهاء العنف والبدء بعملية حقيقية يمكن أن تقود إلى التغييرات المطلوبة».
من جهته، طالب وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه السلطات السورية «بتغيير أوضح وأكثر جرأة في مسارها». وقال: «أخشى أن يكون الأمر (العفو) متأخراً جداً»، مشيراً إلى أن ذلك كان ردّ المعارضة السورية. وأقرّ بتعذر حصول الغربيين على إدانة لأعمال القمع في سوريا أمام مجلس الأمن الدولي، مشيراً إلى أن السبب لا يعود «إلى ضعف الغربيين والاتحاد الأوروبي أو الأميركيين، بل بسبب فيتو روسيا».
وفي إطار التصعيد الغربي ضد الأسد، أكد وزير الخارجية الأوسترالي كيفين راد أن بلاده وسّعت نطاق العقوبات المفروضة على الدائرة المقرّبة من الأسد لتشمل مزيداً من الأفراد المتصلين بالرئيس، مشيراً إلى أنه «آن الأوان ليبحث مجلس الأمن إحالة الرئيس الأسد رسمياً على المحكمة الجنائية الدولية». وتأتي تصريحات راد في وقت اتهمت فيه منظمة «هيومن رايتس ووتش» سوريا بارتكاب «جرائم بحق الإنسانية» خلال قمع التظاهرات في مدينة درعا. ونشرت المنظمة تقريراً بعنوان «لم نرَ فظاعة كهذه من قبل» يستند إلى خمسين مقابلة مع ضحايا وشهود تحدثوا عن معلومات بشأن «مذابح منهجية وأعمال تعذيب ارتكبتها قوات الأمن السورية في درعا تدل على أنه يمكن اعتبارها جرائم بحق الإنسانية». إلا أن المنظمة رأت أن القسم الأكبر من تلك الشهادات غير مسبوق، ومن الصعب جداً التحقق منه في الوقت الراهن.
بدورها، قالت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة «يونيسف» إن ثلاثين طفلاً على الأقل قتلوا بالرصاص في سوريا خلال قمع التظاهرات الاحتجاجية، معترفة في الوقت نفسه بعدم قدرتها على التحقق من الظروف المحددة لموت هؤلاء الأطفال.
ويأتي تقرير اليونيسف في وقت استمرت فيه قضية الطفل حمزة الخطيب، الذي يؤكد ذووه أنه «تعرض للتعذيب والقتل» على أيدي قوات الأمن في درعا، بالتفاعل. وفي السياق، نشرت وسائل الإعلام السورية الرسمية تقريراً طبياً للطبيب الشرعي أكرم الشعار ينفي فيه تعرّض الطفل للتعذيب، فيما تحدثت وسائل الإعلام الرسمية عن أن الرئيس السوري استقبل ذوي الطفل.
(سانا، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)