صنعاء | تدخل صنعاء يومها الخامس من الاشتباكات، وقد ظهرت فعلاً على هيئة مدينة تكاد تلامس أطراف حرب أهلية حقيقية على الرغم من شكلها الظاهري بعدما انقسمت فعلياً إلى ضفتين. ضفة آمنة تسيطر عليها قوات الرئيس علي عبد الله صالح، فيما يسيطر العناصر القبليون التابعون للشيخ صادق الأحمر على الضفة الأخرى.


وفي المنتصف لا تزال القوات التابعة لقائد المنطقة الشمالية الغربية اللواء علي محسن الأحمر على الحياد، مكتفية بصد محاولات تسلل عناصر تابعين لعلي صالح يرتدون زياً مدنياً ينجحون في استغلال طبيعة المنطقة التي يوجد فيها معسكر الفرقة الأولى المدرّعة، والمحاط بأحياء سكنية مكتظة، كي ينفذوا عملياتهم. وهو الأمر الذي يعطي الوضع صورة خطيرة، وخصوصاً عبر انعكاساته المباشرة على سكان تلك المناطق الذين يواجهون للمرة الأولى في حياتهم أمراً من هذا النوع، وهو ما أدى إلى نزوح عدد كبير منهم إلى خارج العاصمة طلباً للأمان المفقود، فيما وقفت قوات الحرس الجمهوري التابعة لنجل الرئيس علي عبد الله صالح على مخارج العاصمة لمنع دخول المواطنين إلى صنعاء، تحسباً لمحاولات تسلل قد ينفّذها عناصر قبليون تابعون للشيخ صادق الأحمر بهدف دعمه.







في وسط هذه الأجواء، يستقر الرئيس اليمني في مكتبه بالقصر الرئاسي الواقع في المنطقة الآمنة غير مكترث بشيء، أو كأنه لا يعلم بحقيقة ما يجري على الأرض، فيما عاصمة الجمهورية اليمنية التي من المفترض أنه يحكمها واقعة على مسافة قريبة من نار حرب أهلية لن تبقي شيئاً له ليحكمه، إذا بقي رئيساً للبلد. وعليه، يدعو إلى مؤتمر صحافي يحضره عدد محدود من الصحافيين وعبر أسئلتهم يعمد إلى تمرير رسائل تبدو بعيدة تماماً عن حقيقة ما صارت إليه الأوضاع على الأرض، فيتحدث عن ظروف رفضه للتوقيع على المبادرة الخليجية، مكرراً تأكيده التعامل الإيجابي معها «لحل الأزمة السياسية في اليمن في منظومة متكاملة»، مشيراً بغضب إلى أن الأمين العام لمجلس دول التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني قد تعامل معه بطريقة لا تليق برئيس دولة. وكرر دعوته أحزاب اللقاء المشترك إلى الحضور للقصر الرئاسي للتوقيع على المبادرة «بعيداً عن الغرف المغلقة»، متناسياً الظروف التي أحاطت بيوم الأحد، موعد توقيعه على المبادرة ومحاصرة وفد الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي في مبنى السفارة الإماراتية، وهو ما يعد في العرف القبلي «عيباً أسود»، حيث يتمتع الوسيط في هذا العرف بحصانة لها أن تحميه من التعرض له سواء بالقول أو بالفعل. وهو السبب الأول الذي دفع بزعماء القبائل اليمنية، وعلى رأسهم الشيخ صادق الأحمر، إلى التصريح بأن هذا الفعل لا يليق باليمنيين وأنه على استعداد للقدوم لتحريرهم من الحصار المفروض عليهم. وهو ما عدّه صالح تعرضاً شخصياً له وكان السبب في اندلاع الشرارة الأولى للاشتباكات.
كذلك جاء الفعل التالي، والمتمثل بضرب منزل صادق الأحمر بصاروخ أثناء وجود الوساطة التي بعثها الرئيس نفسه، عاملاً أدى للوصول إلى نقطة اللاعودة وإعلان كافة القبائل اليمنية التي كانت على الحياد من الطرفين، انحيازها لصف أبناء الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، اعتماداً على حرمة الأماكن التي يوجد فيها الوسطاء وعدّها مناطق محايدة لا يجوز المس بها. ولم يؤد هذا الفعل إلى انحياز تلك القبائل ووقوفها ضد الرئيس صالح فقط، بل أدت إلى إعلان وفد الوساطة نفسه انحيازه لجانب صادق الأحمر، وذلك بعدما تعرض للموت وهو يؤدي دور الوسيط.
من جهة ثانية، وعبر تفسير أسباب نجاح ذلك الصاروخ في الوصول بدقة عالية إلى المكان الذي كان صادق الأحمر ووفد الوساطة موجودين فيه، في طبقة تحت الأرض، يمكن بوضوح الإشارة إلى أنه كان صاروخاً موجهاً عن بعد. ولم يكن هذا ليتحقق إلا بوجود شريحة خاصة مُعرّفة لذلك الصاروخ، توضع في جسم أحد الموجودين في المكان. وبمراجعة الأشخاص الذين كانوا هناك، لم يكن من الصعب استنتاج أن رئيس وفد الوساطة، رئيس جهاز الأمن السياسي غالب القمش، هو الوحيد الذي كان في زيارة عاجلة لدار الرئاسة بناءً على طلب الرئيس صالح نفسه قبل الذهاب إلى منزل الشيخ صادق الأحمر مباشرة. وعليه، من غير المستبعد أن لصق تلك الشريحة الموجهة للصاروخ قد حصل خلال هذه الزيارة. وهو الأمر الذي اتضح جلياً للقمش نفسه ودفعه إلى إعلان انحيازه لصف الشيخ صادق الأحمر.


كذلك كان الدافع إلى إصدار مجموعة من كبار زعماء القبائل إعلان إهدار دم علي عبد الله صالح على أساس أنه قد تنصل من كل القيم والأعراف القبلية، التي يُعد تجاوزها في نظرهم مسألة مجيزة لهدر الدم.
من جهة ثانية، تمكن ملاحظة استمرار صالح في إظهار الاشتباكات الدائرة الآن في أحياء واسعة من نصف مدينة صنعاء الشمالي، على أنها أعمال فوضى يقترفها أبناء الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر وقوله إنهم وحدهم من يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع في العاصمة صنعاء.
استخفاف ظهر واضحاً في إصدار النيابة اليمنية العامة لمذكرات ضبط وإحضار في حق أبناء الشيخ عبد الله، وعلى رأسهم صادق وحميد الأحمر.
ويشير هذا الموقف بوضوح إلى أن الرئيس صالح يبدو وكأنه مغيّب تماماً عن حقيقة ما يجري على الأرض، وأن العناصر الموالين لصادق الأحمر ومن تبعهم من عناصر قبليين آخرين أعلنوا صراحة انحيازهم لهم ووقوفهم ضد صالح، قد نجحوا في احتلال كل المباني الحكومية الواقعة في النصف الشمالي من صنعاء والعديد من المواقع السيادية، بينها مطار صنعاء الدولي الذي نجحوا في إغلاقه على الرغم من النفي الرسمي لهذا الخبر.
وعليه، يبدو الوضع مرشحاً للتصعيد مع إصرار صالح على أن الأوضاع التي وصلت إليها العاصمة ما هي إلا مجرد أعمال فوضى، ينفّذها أبناء الشيخ عبد الله ولن يمكن الانتهاء من هذا الإشكال إلا بخروج الرئيس صالح من قصره ليلقي نظرة على النصف الثاني من العاصمة لمشاهدة أن الحرب الأهلية تدق فعلاً على الأبواب.

صادق الأحمر: صالح سيغادر حافي القدمين



دعا زعيم قبائل حاشد أمس الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، إلى وقف إطلاق النار والتنحي عن منصبه حقناً لدماء اليمنيين، بعدما حذره من مغبّة الاستمرار في القتال إلى ما لا نهاية

فيما بدأ الخناق يضيق على الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، بعدما أعلنت القبائل هدر دمه، وانحيازها لزعيم قبائل حاشد، الشيخ صادق الأحمر، خرج الأخير ليعلن أن الوساطة القبلية انتهت مع صالح، متوعداً إياه في حال الإصرار على الاستمرار في القتال بأنه سيغادر اليمن «حافي القدمين».
وبعدما اتهم الأحمر حليفه السابق بأنه «كذّاب يريد جر البلاد الى حرب أهلية»، أعلن استعداده لإيقاف إطلاق النار بشرط التزام قوات صالح بالأمر، وإلاّ فإنه مستعد للقتال حتى النهاية.
وأشار الأحمر إلى أن صالح هو من جرهم إلى الرد، قائلاً «نحن في بيوتنا، هو من باشرنا في البداية»، مؤكداً في الوقت نفسه أن قوات صالح لم تصل إلى منزله الواقع في حي الحصبة، وأن ما وصله هو قصف المدفعية الثقيلة من جبل نقم (شرق صنعاء) ومنزل قديم يتبع الرئيس صالح، ويُستخدم حالياً موقعاً عسكرياً، داعياً صالح إلى إيقاف القصف أولاً قبل إيقاف أنصاره للنار.
كذلك، سخر الأحمر من إصدار النائب العام قراراً باعتقاله إلى جانب كبار قادة القبيلة، الذين انحازوا للمطالبين برحيل صالح، مؤكداً أن أحداً لن يستطيع أن يدخل منزله، وتأكيداً على أن عرضه لوقف القتال يأتي «ليس من مصدر ضعف، بل من مصدر قوة»، أشار إلى أن «من يحميه هم رجال القبائل اليمنية وقبائل حاشد ورجال من القوات المسلحة والأمن»، وأن لديه سبعين عنصراً من قوى الأمن «سلموا أنفسهم أو قُتلوا».
وأوضح أنه يحتفظ ببيان كتب بخط اللواء رئيس جهاز الأمن السياسي، غالب القمش، وعدد من أعضاء لجنة الوساطة يعلنون فيه انحيازهم إليه، وبراءتهم من صالح، بعدما تعمد الأخير إفشال الوساطة.
وطالب الأحمر قبائل حاشد بألّا يتأخروا، مشيراً إلى أن «هذه الكلمة واضحة وتفهمها قبائل حاشد»، بالتزامن مع دعوته اليمنيين إلى عدم الانجرار وراء الحرب الأهلية، وألّا يتأخروا عن دعم من وصفهم بالمجاهدين ضد علي عبد الله صالح.
من جهة ثانية، وصف الأحمر صالح بأنه «علي مسيلمة الكذّاب، لا علي عبد الله صالح»، واصفاً إياه بناكر الجميل الذي أسداه إليه
والده الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، عندما قدّم إليه كل الدعم للبقاء على الكرسي. وأخيراً دعا المجتمع الدولي إلى الضغط على صالح، لإيقاف مخططاته لجر البلاد إلى حرب أهلية، والضغط عليه للتنحي عن الحكم، مؤكداً أن رحيل صالح لن يمزّق البلاد أو يجرها إلى حرب أهلية كما يصور له.
(أ ف ب، رويترز)

إجماع دولي على ضرورة تنحّي الرئيس اليمني




وسط استمرار الاشتباكات بين قوات الرئيس اليمني علي عبد الله صالح والموالين للشيخ صادق الأحمر، عادت أصوات الدول الغربية لترتفع مطالبة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بوقف إطلاق النار والمسارعة إلى التوقيع على اتفاق نقل السلطة.
وفيما دان نائب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، بين رودز، أعمال العنف التي يشهدها اليمن، مؤكداً أنها تبرز الحاجة إلى انتقال سلمي للسلطة، حثّت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، من باريس، «الأطراف كافة، على أن تكف فوراً عن أعمال العنف»، مشددة على أن بلادها تواصل «دعم رحيل الرئيس صالح».
وبعدما عبّرت كلينتون عن دعم الولايات المتحدة لـ«يمن متّحد ومستقر»، أكدت أن الإدارة الأميركية تواصل دعم مقترح تخلّي الرئيس صالح عن السلطة في إطار المبادرة الخليجية التي تقضي بمغادرة صالح منصبه خلال 30 يوماً. وأوضحت أن صالح أعلن موافقته مراراً على التخلي عن السلطة، غير أنه حنث بوعده عدة مرات، فيما قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة أمرت جميع الدبلوماسيين غير الأساسيين وأفراد أسر العاملين في سفارتها بمغادرة اليمن، نظراً إلى أن «مستوى التهديد الأمني في اليمن مرتفع للغاية بسبب الأنشطة الإرهابية والاضطرابات المدنية». من جهته، ألقى المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية باللوم على صالح بالتسبّب في موجة العنف التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن الخيار الوحيد الذي بقي أمام صالح هو التوقيع على صفقة انتقال السلطة المقدمة من دول مجلس التعاون الخليجي.
بدوره، حثّ المتحدث باسم وزارة الخارجية اليابانية، ساتورو ساتوه، صالح على التوقيع على صفقة انتقال السلطة، وأن تعمل الأطراف المعنية على التوصل إلى اتفاق، ما يؤدي إلى تحقيق الاستقرار، فيما أعربت تركيا عن مخاوفها من تحول الأحداث في اليمن إلى أزمة سياسية كبيرة في المنطقة.
وحذر بيان الخارجية من أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه في اليمن، من دون الوصول إلى حل سريع، سيزيد الأمر سوءاً، مطالبةً الرئيس اليمني بالتصديق على ما ورد في المبادرة التي اقترحها مجلس التعاون الخليجي.
أما عربياً، فقد رأى مساعد وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلطان، أن أحداث اليمن مؤلمة، ولن تكون السعودية في منأى عن تأثيراتها. وأوضح في مؤتمر صحافي أن «أي حدث في العالم العربي يؤثر معنوياً أو بحكم الجوار في المملكة، ولا شك في أن الأحداث التي تجري في اليمن مؤلمة»، معرباً عن أمله «أن يجري تحكيم العقل في كيفية التغلب على هذه الأحداث».
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز)