تترقب سوريا والعالم الخارجي، الحجم الذي ستتخذه «جمعة حماة الديار» التي تداعى معارضون إلى إحيائها في كل أنحاء البلاد اليوم، لناحية ما إذا كانت ستكون دموية كأيام الجمعة الماضية أو لا. وبانتظار الاستحقاق الأسبوعي، سعى النظام في سوريا إلى حشد أكبر عدد ممكن من الحلفاء، فيما ظهرت ملامح مزيد من العقوبات الدولية، حيث بدا أن المرحلة الجديدة من الضغط ستتخذ عنوانين اثنين: تجاوزات حقوق الإنسان، و«الملف النووي» السوري. حملة توزعت عواصمها من أوتاوا إلى واشنطن وبروكسل ففيينا ونيويورك ودوفيل الفرنسية.


وقد دعا منظّمو الاحتجاجات في سوريا، الجيش السوري إلى الانضمام لـ«ثورة الشعب السلمية» اليوم الجمعة، تحت شعار «جمعة حماة الديار». وطلب المعارضون على صفحة «الثورة السورية» في موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» من المتظاهرين بث رسالة يدعون فيها إلى انضمام الجيش «يداً بيد لنضم حماة الديار إلى ثورتنا السلمية المباركة». ونشر المنظمون على صفحتهم صورة البطل القومي يوسف العظمة كتب عليها «جمعة حماة الديار 27 أيار يوسف العظمة يناديكم». كذلك نشرت الصفحة صورة لقبضة تربط كلمتي الجيش والشعب كتب تحتها «الجيش والشعب يداً واحدة... يداً بيد نصنع الغد... كرامة وانتصار».
في المقابل، عاتب وزير الخارجية السوري وليد المعلم، الدول العربية، وناشدها مساعدة سوريا أمام الضغط الدولي الذي تواجهه. وقال المعلم إن بلاده قيادةً وشعباً، «لديها عشم بأشقائها العرب ألا ينفردوا بها قطراً بعد قطر»، وعاتبهم لأنهم «لم يظهروا تضامنهم مع دمشق في وجه العقوبات» التي تُفرَض على مسؤولين سوريين. وتساءل، خلال لقائه السفراء العرب المعتمدين في دمشق في دار السفير القطري زايد بن سعيد الخيارين أول من أمس، «أين الأشقاء؟»، مضيفاً أن «سوريا لم تتأخر إطلاقاً في مساندة أي قطر عربي في قضاياه». وتابع «بكل صراحة أقول إننا عاتبون على أشقائنا العرب من باب المحبة والأخوة على الأقل، أن يظهروا تضامنهم مع سوريا في مواجهة العقوبات بنحو يظهر أننا أصدقاء خصوصاً في أوقات الضيق».
بدوره، أعرب السفير القطري، الذي جمع نحو 20 من ممثلي الدول العربية في منزله، عن تمنياته «العميقة» في أن «تعدّي الأزمة في سوريا بقيادة الرئيس بشار الأسد»، مكرراً التذكير بـ«العلاقة الخاصة التي تجمع قيادتي البلدين كما الشعبين» السوري والقطري، بدليل استجابة الوزير المعلم لهذه الدعوة، بحسب ما نقلته عنه صحيفة «الوطن» السورية. كلام إيجابي قابله المعلم بالمثل عندما وصف الاجتماع بأنه «يعكس الحرص على العلاقات الثنائية (بين البلدين) والتضامن العربي المتمثل من خلالكم (السفراء) عبر العمل العربي المشترك».
وأشار في الاجتماع نفسه، إلى أن «توقيت المبادرة (اللقاء) مهمّ لأن الكثير من وسائل الإعلام والأوساط الأخرى تشكك في متانة هذا التضامن العربي»، مؤكداً أن «المصير والمستقبل مشتركان بين الدول العربية». ولفت إلى أن «الأحداث التي تجري على الأرض لها دائماً وجهتا نظر، لكنني أقول بثقة إن هذه الأزمة رغم شرورها حملت أيضاً في طياتها دروساً وعبراً». وعن عقوبات الاتحاد الأوروبي، قال المعلم «للأسف، كنا نعتقد أن الاتحاد الأوروبي شريك يعتمد عليه. ووجدنا أنه في نهاية المطاف يريد تأكيد مصالحه على حساب مصالحنا»، مذكراً بأن دمشق هي التي جمدت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي «لا العكس لأنه بعد استشارة دول عربية خاضت تجربة مماثلة، وجدنا أنها مجحفة بحق سوريا».
وبينما كان المعلم يحشد الدعم العربي، كان نائبه فيصل المقداد يمثل بلاده أمام المؤتمر الوزاري 16 لحركة عدم الانحياز في إندونيسيا، حيث رأى أن سوريا «تتعرض لأخطر حلقة في سلسلة المؤامرات التي حيكت ضدها بهدف ضرب صمودها والقضاء على دورها المحوري في المنطقة»، لافتاً إلى أن «مجموعات متطرفة وعناصر ارهابية قامت بالتلاعب بمطالب الشعب المحقة، وحرفها بعيداً عن هدفها الأصلي فرفعت شعارات ظاهرها الإصلاح، بينما كانت تقوم عمليا بممارسة العنف المسلح ضد مؤسسات الدولة والاملاك الخاصة وعناصر حفظ النظام». وكشف المقداد عن أن سوريا لم تفاجأ «بمدى نفاق دولة كبرى وحلفائها الغربيين في الحرص على دماء السوريين، متجاهلين ما أظهرته سوريا حول ضبط كميات كبيرة من الأسلحة المهربة إلى عصابات مسلحة مرتبطة بالخارج تقوم بتنفيذ عشرات العمليات الارهابية المسلحة ضد الأبرياء».
ووضع المقداد عمل «هذه المجموعات» في خانة الجهود «لإثارة الشغب بهدف إيجاد معارك جانبية تستنزف سوريا، وتحرف الشعب عن المضي في طريق الإصلاح والتنمية».
في هذا الوقت، جدد وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، دعوة بلاده الرئيس بشار الأسد إلى إجراء «إصلاحات تكون بمثابة علاج بالصدمة»، إذا كان يأمل إنهاء الأزمة التي تشهدها سوريا. وقال داوود أوغلو، لصحيفة «نيويورك تايمز»، إن «ما يحتاج له الأسد الآن هو علاج بالصدمة لكسب قلوب شعبه، بأسرع وقت ممكن». ورداً على سؤال عما سيحصل إذا لم يُجر الرئيس السوري إصلاحاً دراماتيكياً، أجاب «لا ندري، ولهذا السبب نقول علاجاً بالصدمة». وفي السياق، أعرب رئيس الدبلوماسية التركية عن ثقته بأن الأسد «لا يزال قادراً على إجراء إصلاحات، لكن سنرى ما يمكن أن يقدم»، لافتاً إلى أنه «في كل أسبوع، وفي كل يوم جمعة، لا نزال نرى المزيد من الأشخاص الذين يقتلون».
على صعيد آخر، أعلنت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، ونظيرها الفرنسي آلان جوبيه، إثر اجتماعهما أول من أمس، ضرورة أن «يتحرك المجتمع الدولي إزاء القمع الذي تمارسه السلطات السورية»، وهو ما يتوقع أن يصار إلى صياغته في البيان الختامي لـ«مجموعة الثماني» التي تنهي أعمالها في مدينة دوفيل الفرنسية، اليوم. غير أنّ موسكو عارضت أن تبحث قمة مجموعة الثماني في اتخاذ إجراءات ضد أنظمة عربية، وهو ما صاغته الرئاسة الروسية في بيان جاء فيه أن «مجموعة الثماني يجب ألا تتحول إلى هيئة تقترح اجراءات ضغط وعقوبات». وكان رئيس المجلس الأوروبي، هرمان فون رومبوي، قد حثّ الأسد، في افتتاح قمة الثماني، على تغيير سياساته، داعياً إلى توقف السلطات عن استخدام العنف ضد المدنيين. وقال «نتطلع إلى تغيير في سياسته، يتعين على السلطات السورية أن تتوقف عن العنف الوحشي ضد المدنيين من دون تأخير وإجراء حوار سياسي حقيقي».
وفي إطار العقوبات الدولية ضد سوريا، كشف دبلوماسيون أن من المتوقع أن تسعى دول غربية إلى إحالة ملف سوريا إلى مجلس الأمن الدولي في الاجتماع المقبل لمجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية المقرر انعقاده في الخامس من شهر حزيران المقبل، على خلفية التقرير الأخير للوكالة الذي رجّح أن تكون سوريا قد حاولت بناء مفاعل نووي سري في منطقة دير الزور الذي تعرض لغارة إسرائيلية في عام 2007. وجزم الدبلوماسيون أن سعيهم إلى نقل الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن، غير مرتبط بتنديد الغرب بتعامل النظام السوري مع المحتجّين، مؤكدين أن دمشق «ماطلت في تحقيق الوكالة الدولية لنحو ثلاث سنوات، لذلك آن الأوان للتحرك».
غير أن بعض الأعضاء غير الغربيين في وكالة الطاقة الذرية أعربوا عن شكوكهم بشأن اتخاذ اجراء قوي ضد سوريا، على قاعدة أن «مهما حدث في دير الزور، فقد أصبح من التاريخ». كذلك أشاروا إلى أنه لا يزال من غير الواضح إن كانت روسيا والصين ستصوتان لصالح إحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن.
وبدأ ضغط دولي آخر يتمثل بمشروع قرار أوروبي قدم إلى مجلس الأمن، أول من أمس، طالب سوريا بإيجاد نهاية فورية للعنف ضد المحتجين، والتعاون مع تحقيق للأمم المتحدة في انتهاكات حقوقية. وبحسب وكالة «رويترز»، فإن المشروع الذي تقدمت به بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال، يدين «الانتهاك المنظم لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والاعتقالات التعسفية وعمليات اختفاء وتعذيب المتظاهرين السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين بواسطة السلطات السورية»، ويطالب بالموافقة على وصول المنظمات الانسانية إلى المدن السورية. ورأى بعض الدبلوماسيين أن الضغوط التي تتزايد على مجلس الأمن قد تدفع بالصين وروسيا إلى الموافقة على القرار الجديد.
وأعلنت منظمة العفو الدولية حصولها على شريط فيديو عن سياسة «أطلق النار للقتل»، التي قالت إن قوات الأمن السورية تنتهجها لإخماد الاحتجاجات الشعبية. وأكّدت المنظمة أن شريط الفيديو «هُرّب إلى خارج سوريا عن طريق من تتواصل معهم المنظمة، ويُظهر المتظاهرين وهم يتعرضون لإطلاق النار والضرب على أيدي قوات أمن، وجنوداً يدهمون ليلاً المسجد العمري في درعا، ويظهر جنازةً جماعيةً في بلدة إزرع».
وانضمّت كندا إلى قافلة الدول التي سبق أن فرضت عقوبات اقتصادية وسياسية على سوريا، من بينها منع زيارة مسؤولين سوريين لأراضيها بسبب «القمع العنيف» للمتظاهرين، بحسب وزير الخارجية الكندي الجديد جون بايرد، الذي أعلن أن حكومته صنفت عدداً من الشخصيات في النظام السوري يبلغ عددهم 25 شخصاً، من بينهم الرئيس بشار الأسد، على أنهم «أشخاص غير مرغوب فيهم» في كندا.
وفي العاصمة الأردنية، عمّان، نقلت فضائية «الجزيرة» أن المئات من أبناء الجالية السورية نظّموا وقفة احتجاجية أمام فندق شهد حفل عشاء دعا إليه السفير السوري في الأردن بهجت سليمان، وقاطعه صحافيون وسياسيون. وهتف المحتجون ضد حفل العشاء بإسقاط النظام السوري، ورأوا أن العشاء يُقام «على أجساد ودماء المئات ممن سقطوا برصاص قوات الأمن السورية». وكان السفير السوري قد وجّه الدعوة إلى عشرات الصحافيين والناشطين النقابيين والسياسيين لحضور حفل عشاء مساء الأربعاء على شرف سفراء دول عربية وأجنبية للحديث عن الأحداث التي تشهدها سوريا. وأعلن عدد من الصحافيين والسياسيين مقاطعتهم للعشاء وسط دعوات عبر موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» في الأيام القليلة الماضية إلى مقاطعته. وكان عشرات الصحافيين الأردنيين قد أصدروا بياناً طالب المدعوين إلى حفل العشاء بمقاطعته في ظل استمرار ما سمّوها «آلة القتل ضد الشعب السوري». وجاء في البيان «إذا كان بعض زملائنا لا يزالون يعتقدون أن نظام الأسد إحدى واجهات المقاومة والممانعة في المنطقة، فإن تصريحات ابن خاله رامي مخلوف وأحد أركان نظامه لصحيفة نيويورك تايمز قبل أسابيع أزاحت أغطية كثيرة عن نيات النظام، وحقيقة تبنّيه لمثل هذه المواقف». وقال البيان إن «الممانعة والمقاومة لا تعني ولا تبرر حرمان الناس من الحرية وإسالة دمائهم في شوارع درعا وحمص وبانياس ودمشق وغيرها من المدن السورية الحرة».
ميدانياً، أعلنت السلطات السورية مقتل ثلاثة من قوات الأمن السورية يوم الأربعاء في كمين مسلح قرب مدينة حمص. ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مصدر عسكري قوله إن «دورية تابعة لقوات الأمن السورية تعرضت لكمين مسلح قرب قرية الغجر في محافظة حمص وقتل ثلاثة من عناصر الدورية».
ومن ناحية إجراءات السلطة السورية، أصدر الأسد مرسوماً يقضي بإجراء مجموعة من التعديلات على اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات بنحو يتيح مساعدة للطلاب للنجاح في سنواتهم الدراسية، إذ يقدم علامتين على الأكثر في مقرر واحد أو موزعتين على مقررين «إذا كانت هذه المساعدة تؤدي إلى تبديل وضعهم، ومساعدة الطالب بست علامات على الأكثر في مقرر واحد أو موزعة على مقررين إذا كانت هذه المساعدة تؤدي إلى عدم استنفادته في أي سنة من سنوات الدراسة».
وفي سياق ربطه بعض المراقبين بتطورات الأزمة السورية، استحوذت مجموعة من المستثمرين الكويتيين على شركة «راماك»، التي تعود ملكيتها إلى «شركة سوريا للأسواق الحرة محدودة المسؤولية»، التابعة لرجل الأعمال السوري، وقريب الرئيس بشار الأسد، رامي مخلوف. ونقل موقع «سيريانيوز» أنه «من المتوقع كشف تفاصيل الصفقة والمشاركين فيها في الأيام القليلة المقبلة». وقالت مصادر مقربة من مخلوف لوكالة «يو بي آي» إن مخلوف «سحب كل أمواله الموجودة خارج سوريا ووضعها تحت تصرف الحكومة السورية لرفع قيمة الليرة السورية بعد ارتفاع الدولار في الأسواق السورية»، بينما نفت مصادر عربية في دمشق «وجود صفقة كهذه على الاطلاق». تجدر الاشارة إلى أن «الأسواق الحرة» تضمّ صالات في مطار دمشق ومطار حلب والمناطق الحرة الحدودية في درعا وجديدة يابوس وباب الهوى.
(الأخبار، سانا، أ ف ب، يو بي آي، رويترز)