بدا يوم الجمعة السوري الماضي مختلفاً عن الجمعات السابقة؛ خرجت تظاهرات متفرقة في العديد من المناطق السوريّة، لكن ليس بالكثافة السابقة، وسط معلومات عن سقوط قتلى بين العسكريين والمدنيين، تفاوتت المعلومات عن عددهم وهوياتهم بين المصادر الرسمية والنشطاء الحقوقيين، وإن أجمع الطرفان على أن مدينتي بانياس وحمص كانتا مسرحاً لعمليات أمنية لقوات الجيش، بالتزامن مع حراك أوروبي باتجاه العقوبات، التي باتت تطاول 13 شخصية سورية، استُثني منها الرئيس بشار الأسد. رسالة العقوبات الأوروبية أُرفقت بتلويح أميركي بإجراءات مماثلة، وإن بدت اللهجة أقلّ حدة، عبّرت عنها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي قالت إن واشنطن «لا تزال تؤمن بمستقبل للنظام الحاكم بقيادة الرئيس بشار الأسد».

ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» أمس عن مصدر عسكري قوله، إن بعض وحدات الجيش والقوى الأمنية لا تزال تتابع ملاحقة عناصر المجموعات الإرهابية المسلحة في مدينة بانياس ومحيطها، وبعض القرى من ريف درعا. وأضاف إنه أُلقي القبض على العشرات من المطلوبين، إضافةً إلى مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة، وأدّت المواجهة المباشرة إلى إصابة عشرة عناصر من الجيش، وسقوط العديد من القتلى والجرحى في صفوف العناصر الإرهابيين المسلحين.
وعرض التلفزيون السوري مشاهد لجنازات اقيمت لعدد من العسكريين الذين سقطوا في مواجهات مع مسلحين كما قالت السلطات.
ويأتي تصريح المصدر العسكري، بعدما أعلن ناشطون مقتل 6 أشخاص، بينهم 4 نساء خلال تظاهرة نسائية في بانياس. وكانت قوات الأمن قد دهمت أول من أمس قرية المرقب قرب بانياس، واعتقلت العشرات ضمن حضور أمني كثيف، بحسب أحد الناشطين، الذي أضاف إنّ قوات الأمن اعتقلت أيضاً أشخاصاً من قريتي البيضة والباصية (قرب بانياس)، لافتاً إلى أن القوات كانت تحمل لائحة بأسماء 300 شخص. ومساءً، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن قوات الأمن اعتقلت قادة حركة الاحتجاج في بانياس، لافتاً إلى أنها أوقفت أكثر من 250 شخصاً في هذه المدينة. وقال المصدر نفسه إن من بين المعتقلين الشيخ أنس العيروت، الذي يعدّ قائد حركة الاحتجاج في المقابل، نشرت وكالة الأنباء الحكومية «سانا» خبراً مفاده أن «عصابةً مسلحة» قتلت 10 عمال سوريين قرب حمص، عندما كانوا عائدين بباص نقل عمومي إلى سوريا من لبنان، حيث يعملون. كذلك، نقلت وكالة «رويترز» عن سكان قولهم إن القوات السورية دخلت بلدة طفس قرب درعا، وقال نشطاء حقوقيون إن دبابات وجنوداً اقتحموا ضاحيتين في حمص الليلة قبل الماضية في أول توغل في مناطق سكنية بثالث أكبر المدن السورية.
وتأتي العمليات في بانياس وحمص بعد الأنباء التي أعلنها الناشطون عن مقتل 26 متظاهراً وإصابة آخرين بجروح أثناء مشاركتهم في التظاهر في «جمعة التحدي»، التي أعلنت السلطات السورية أن 11 عنصراً من الجيش والشرطة قتلوا خلالها في مدينة حمص. وأوردت وكالة «سانا» أن جثث الضحايا نقلت من المشفى العسكري في حمص «إلى مدنها وقراها»، متهمةً «مجموعات إرهابية متطرفة في مناطق متفرقة من المحافظة الجمعة» بالتسبب بقتلهم.
واوردت وكالات الانباء العالمية نقلا عن شاهد عيان في منطقة دير الزور شمالي شرق سوريا، ان شخصين على الاقل قتلا في مواجهة بين قوات الامن ومتظاهرين ليل امس.
وفيما نقلت وكالة الأنباء السورية عن مصدر مسؤول في وزارة الداخلية قوله، إن «عناصر مخربة في مدينة حماه قامت عصر الجمعة بأعمال تخريب للممتلكات العامة والخاصة وترويع المواطنين». وفي اللاذقية، قتل متظاهر وأصيب 3 آخرون بجروح، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وقتل متظاهران في جبلة، حسب ما أفاد ناشطون حقوقيون. وفي دمشق، اعتقلت الأجهزة الأمنية الجمعة رياض سيف، وهو إحدى أبرز شخصيات المعارضة السورية، حسب ما أفاد رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لوكالة «فرانس برس».
بدورها، قالت المنظمة السورية لحقوق الإنسان (سواسية)، أول من أمس، إن قوات الأمن السورية قتلت بالرصاص 800 مدني على الأقل منذ بدء الاحتجاجات. وأضافت، في بيان أرسل إلى «رويترز» إن لديها أسماءهم. وتابعت قائلة إن من بين القتلى 220 سقطوا في درعا.
في هذا الوقت، طرح معارضون سوريون على صفحة «الثورة السورية» على موقع فايسبوك على الرئيس بشار الأسد حلولاً للخروج من الأزمة. ورأوا أن «الحل بسيط»، مقترحين «وقف إطلاق النار على المتظاهرين والسماح بالتظاهر السلمي وخلع جميع صور الرئيس وأبيه في الشوارع والإفراج عن جميع معتقلي الرأي، وفتح حوار وطني والسماح بالتعددية الحزبية وتنظيم انتخابات حرة وديموقراطية بعد ستة أشهر».
وفي المواقف، عبّرت البحرين أول من أمس عن «دعمها الكامل لأمن سوريا، ومسيرة الإصلاحات بقيادة الرئيس بشار الأسد»، وذلك عبر رسالة شفوية من الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين، نقلها إلى الرئيس السوري وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة. وأثارت زيارة الوزير البحريني والزيارتان السابقتان لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد تساؤلات عن وساطة خليجية محتملة، غير أن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني أكد أن الدول الخليجية «لا تعتزم التوسط في سوريا في أي اتفاق مشابه لما توصلت إليه في اليمن».
واتفقت دول الاتحاد الأوروبي الـ27 يوم الجمعة على فرض عقوبات تشمل تجميد أرصدة وعدم منح تأشيرات دخول لدول الاتحاد على 13 من مسؤولي النظام السوري، ليس بينهم في هذه المرحلة الرئيس بشار الأسد. وأوضح دبلوماسي أوروبي لـ«فرانس برس» أن العقوبات التي تشمل تجميد أرصدة وعدم منح تأشيرات دخول لدول الاتحاد «تستهدف 13 شخصية» في النظام السوري. ورأت فرنسا أن هذه العقوبات هي «مرحلة أولى»، مؤكدةً العمل من أجل «توسيعها» لتطاول «كبار القادة».
بدورها، حذرت الولايات المتحدة من أنها ستتخذ «إجراءات إضافية» بحق سوريا إذا لم يتوقف قمع المتظاهرين. وقال البيت الأبيض، في بيان له، «إن الولايات المتحدة تعتقد أن أعمال سوريا الشائنة تجاه شعبها تستوجب رداً دولياً شديداً»، مندداً باستخدام النظام السوري «القوة الوحشية» لوقف التظاهرات. وهدد البيان بأنه إذا لم توقف دمشق أعمال العنف تجاه المتظاهرين المطالبين بالديموقراطية، «فستتخذ الولايات المتحدة مع شركائها الدوليين إجراءات إضافية للتعبير بوضوح عن معارضتنا الشديدة لطريقة معاملة الحكومة السورية شعبها».
غير أن لهجة وزيرة الخارجية جاءت مختلفة عن بيان البيت الأبيض؛ إذ قالت هيلاري كلينتون، في تصريحات نشرتها وزارة الخارجية إن «ثمّة بواعث قلق عميقة تجاه ما يحدث داخل سوريا، ونحن نحث الحكومة السورية بقوة على أن تفي بالتزامها المعلن بالإصلاحات». وأضافت إن الوضع في سوريا «مثير للمشاعر»، لكنها رفضت تشبيه سوريا بليبيا. وتابعت قائلة: «نحن على إدراك حتى اللحظة أن باستطاعة سوريا تنفيذ الإصلاحات المعلنة... وبناءً على ذلك، لا نزال نؤمن بمستقبل للنظام الحاكم بقيادة الرئيس السورى بشار الأسد».