تونس | كان متوقَّعاً أن تتجه الأمور في تونس إلى التدهور الأمني بعد حالات الشد والجذب السياسي التي عاشتها البلاد منذ هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني الماضي. انفلات أمني كان مرجحاً حصوله حتى قبل أن يفجر وزير الداخلية السابق فرحات الراجحي قنبلة سياسية بشأن استعداد الجيش لتنفيذ انقلاب، وكلامه عن تورط رجل أعمال في إدارة البلاد ضمن حكومة ظل لضمان عدم خروج منصب الرئاسة من منطقة الساحل التونسي. ففي الوقت الذي شُغلت فيه النخبة السياسية بجدل سياسي «عقيم» حول الهوية الجديدة لـ «تونس الثورة»، كان الشارع ينتظر من الساسة طرح مواضيع قامت على أساسها الثورة، وهي أسباب تتعلق خاصةً بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية.


فالمسؤولون الجدد «يتصارعون على الفتات، ونحن ننتظر حل مشاكلنا الاجتماعية»، على حد تعبير رمزي، وهو نادل في مقهى وحامل شهادة هندسة كهرباء. ويضيف في دردشة مع «الأخبار»: «إن كانوا يريدون الضحك على ذقوننا بترهات الصراع على الهوية، فنحن نقول لهم إننا على الاستعداد للثورة عليهم من جديد».
كلام رمزي جاء ليعبّر عن معظم تطلعات ما سمي «الكتلة الصامتة» التي بدأت تخرج عن هدوئها المعلن إلى حالة من الاضطراب الذي بدأ يوحي بعواقب وخيمة قد تُقبل عليها البلاد. مخاطر وصلت إلى حد المطالبة بإسقاط حكومة الباجي قائد السبسي الانتقالية، وقد تعيد من جديد الوضع إلى النقطة الصفر، وخاصةً بعدما عاشت تونس منذ يومين على وقع «جمعة الغضب»، ثم «سبت الغضب»، حيث عمّت حالات فوضى وسط العاصمة نهاراً، لتنقلب إلى أعمال نهب وحرق ليلاً في معظم الأحياء الشعبية التي تحيط بالعاصمة . وأمام هذا الانفلات في الأوضاع الأمنية، جددت الحكومة فرض حالة حظر التجوال بين الساعة التاسعة ليلاً والخامسة فجراً، بالتزامن مع إعلان السلطات الانتقالية أن المسؤولين السابقين في عهد بن علي لن يكون بإمكانهم الترشح لانتخابات المجلس التأسيسي في 24 تموز المقبل.
في هذا الوقت، صدر أول تلميح رسمي عن احتمال تأجيل هذه الانتخابات، وذلك على لسان السبسي الذي أشار إلى أن حكومته لا تزال تعمل على أساس أن الانتخابات ستحصل في 24 تموز المقبل، لكن «إذا ظهرت الحاجة لتأجيلها لأسباب تقنية، فسنؤجلها».


لكن الاحتقان الأمني ما كان ليصل إلى هذه الحالة، لولا الرجوع المفاجئ والمدوّي للشرطة التونسية لممارسة أعمال القمع التي جعلت البعض يجزم بأن عهد بن علي لا يزال سارياً، وأن هناك حكومة ظل تحكم البلاد فعلياً، على حد تعبير وزير الداخلية السابق في حكومة محمد الغنوشي، فرحات الراجحي. كلام الراجحي جاء ليصب الزيت على النار، ويشعل الشارع التونسي، وليطرح من جديد سيناريو الثورة المضادة.
وقد فجّر الراجحي، في تسجيل نُشر على موقع «فايسبوك»، قنبلة سياسية حين قال إن قائد أركان الجيوش الثلاثة، رشيد عمار، سينفذ انقلاباً عسكرياً في حال وصول حركة «النهضة» الإسلامية إلى الحكم، مشيراً إلى أن كمال لطيف (أحد رجال الأعمال الذين حصّلوا ثروة كبيرة في الثمانينيات) يسعى في الخفاء إلى إبقاء الحكم بيد شخص من منطقة الساحل، على اعتبار أن هذه المنطقة حكمت البلاد منذ فجر استقلالها. وتعني عبارة «الساحل» في تونس، محافظتي سوسة والمنستير، اللتين انحدر منهما أول رئيسين لتونس المستقلة، وهما الحبيب بورقيبة وخلفه المخلوع بن علي.
وكشف الراجحي أن سبب تعيينه وزيراً للداخلية كان لأجل تحسين صورة الحكومة لدى الشعب، وخصوصاً لتبييض صورة وزارة الداخلية، التي لُطخت بدماء الشهداء. وأكد الوزير السابق أنه إذا جاءت نتائج الانتخابات التونسية لمصلحة حركة النهضة، فسوف «ينقلب النظام إلى حكم عسكري».
وكانت وزارة الدفاع التونسية قد أصدرت بياناً، يوم الجمعة، وصفت فيه تصريحات الراجحي بأنها «افتراءات». وفي حديث مع «الأخبار»، أكدت مصادر الوزارة أنها ستقاضي الراجحي، بينما ذكرت إذاعة «اكسبريس أف أم» التونسية الخاصة أن الوزير السابق أُوقف بعد مداهمة منزله، وذلك بعد يوم من إقالته من منصبه كرئيس للهيئة العليا لحقوق الإنسان في تونس.
وجاءت «قنبلة الراجحي» لتزيد الطينة بلّة على المشهد السياسي التونسي، وتدخل البلاد في سجال جديد، وخاصةً أن هذه التصريحات تأتي من رجل كان يعدّ لمدة وجيزة صاحب المنصب الأمني الأول في البلاد، وهو المعروف من جانب المتابعين أنه «لا يتكلم إلا انطلاقاً من درايته بأحوال البلاد».