عادت إمبابة الى القرون الوسطى. شوارعها تحوّلت الى بروفة حرب أهلية، القطيع تحرك تحت الرايات الخفّاقة للطوائف بحثاً عن أسيرة جديدة. عبير، إنها الأسيرة الجديدة، بطلة البروفة، وأيقونة الحرب المقدسة. حكاية عبير ولدت ليلة ظهور كاميليا، أو «أختي كاميليا»، التي تحمل تظاهرات السلفيين اسمها. «أختهم كاميليا» أنكرت إسلامها. ورأ قائد سلفي أنّ ظهورها «إعلان حرب من الكنيسة على الإسلام». بعدها بدقائق اشتعلت إمبابة، وقتل 12 شخصاً وأصيب مئات في بروفة حرب «فِشِنك».


I
«احذر... لا تعبر»، النصيحة كانت للشخص الخطأ، مدوّن شاب أراد الذهاب الى موقع الفتنة في إمبابة، لكن جمهور المتفرجين منعه من العبور: «النساء هناك يلقين بالماء الساخن على أصحاب اللحى». لا يعرف سكان إمبابة من أين خرج السلفيّون؟ هل انشقّت الأرض وأخرجتهم من جوفها؟ تعرف إمبابة «الشيخ» أو «السنّة»، أي الرجل الذي يعرف علوم الدين، أو الفاهم في علوم السنّة، لكن من أين أتى السلفي؟ وكيف أصبح له الحضور الذي يقترب من الهستيريا؟
إمبابة جمهورية قديمة للمتطرفين، حكَمها طبّال أعلن نفسه أميراً لمؤمنيها، نفّذ حدود إمارته «الإسلامية»، وأعلنها جمهورية خارج سيطرة النظام، وضد حداثته المعطوبة. سيرة «أمير المؤمنين جابر» عادت مع فتنة إمبابة، أو الصين الشعبية، كما يطلق المصريون على الحي المقيم شمال الجيزة، نصف العاصمة القريب من الصعيد، والجامع لخليط من مهاجرين قادمين من مدن الجنوب، مع طبقة وسطى اختارت مرتبة وسطى بين الأحياء لتقيم قريباً من النيل، لكن بعيداً عن فخامة أحياء البرجوازية الأرقى.
«صين» تختلط فيها الرغبات والمقامات والمواقع الاجتماعية، وتحاصر فيها شوارع المدينة، أحزمة ريفية، في إيقاع يجعل إمبابة مغلقة على ذاتها، متطرفة أحياناً، وتعيسة غالباً، وعلامة من علامات تعثر الدولة المصرية في رحلتها الى المدنية.
II
ثورة 25 يناير، محاولة جديدة للعبور من العصور الوسطى، وتعديل مسار فشل طويل مع جمهورية التسلط، وتحوّل إلى انفصال بين طبقة رقيقة من «حداثة» تبهج النخب الحاكمة، وتشعرها بالقرب مع الغرب، والتمرغ في مشاعر التماهي مع الدول القوية. قشرة تعيش النخب الحاكمة في رغوتها، وتبقي بعيداً شرائح كلّما ابتعدت بفقرها، أصبحت الحداثة فرجة غير مجانية بالنسبة إليها، أو دافعاً لتحريك نرجسية جريحة، تنتقم، وخاصةً مع سريان الاستبداد الشرقي.
هكذا بدا السلفي نبيلاً أمام نفسه وهو يحقق مهمة إنقاذ «أخته» من أسر الكفار، حرق وقتل بحثاً عن «عبير»، التي ربما لا يعرف وجهها، لكنه يعرف أنها طريقه الى الجنة، وفرض «قوقعته» التي يعيش فيها مختبئاً من الحداثة، لتكون موديل «مصر الجديدة».
III
المدوّن الشاب هرب من الانتقام الشعبي. لم يكمل طريقه، ورغم أنه ليس قريباً من السلفيين، وعلى الضفة المعاكسة لهم، عرف أن حرب المياه الساخنة لن تفرّق بين لحية وأختها، ما دامت تشعل الفتنة النائمة. الفتنة اشتعلت أكثر من مرة، بعدما كسرت رقبة نظام مبارك، وذهبت القبضة المركزية، واختفت اليد المسيطرة من المشهد العلني الى دروب سرية لا أحد يرى فيها حركتها. هل يتحرك السلفيون بأوامر من ضباط أمن الدولة المطرودين؟ أم أن الضباط يعرفون كيف يشعلون الفتيل الذين وضعوه في المجتمع، ويحركون الساحر المركون بين زواياه؟
السلفي ضحية الشرطة، وأداتها غير المعلنة لضرب الإخوان المسلمين، يعمل في الخفاء، ليسحب جاذبية «الكلام باسم الله» من الجماعة، وفي الوقت نفسه يوازن القوى مع الكنيسة، بجناح ديني من خارج مؤسسات النظام الدينية. السلفي تحوّل من مجاهد في سبيل دولة الإسلام، جنّة الخلاص المطلق، الى داعية جوال في سبيل إصلاح العيوب الشخصية، وإعادة تربية الفرد على كاتالوغ من اختراع الشيوخ المبتسمين تحت لحية فوضوية، وفي جسد يجعله الجلباب القصير وأسفله سروال، مفارقاً للواقع، ودليلاً في الصحراء الى السر. أيّ سر؟ وماذا يعرف السلفي عن الدنيا؟ بل عن الدين؟ السلفي عادةً أقرب الى الوهّابية، العقيدة الدينية للسعودية، والمعادية لـ «الإسلام المصري» القريب من الصوفية، المتسامح، البعيد عن الجهاد، والقريب من الاحتفال الجماعي، لا التجييش العمومي. السلفي غريب، يبدو في صورته بعد الثورة نباتاً «شيطانياً»، لكنه بضاعة سنوات الحداثة المعطوبة، والقهر وانسحاب السياسة الى دور العبادة، وتحوّل الدين الى أداة حرب أو حكم. لماذا يحرق السلفي الكنائس؟ ويسحب المجتمع إلى حالة هستيريا مرعوبة من الثورة؟ هل هناك سلفي واحد؟ هل يمكن أن يدخل السلفي في تركيبة الدولة الحديثة؟ هل يمكن أن يعيش بدون دكتاتور وجمهورية رعب؟
IV
السلفي عدو أليف، أو رفيق مضاد، حالم ضد أحلام الثورة، يوقف رحلة العبور ويعطّلها في النفق، ليتسلّمها دكتاتور جديد. فلا سلفية بدون دكتاتور، والترويض هو العلاقة الوحيدة، ليقف الحالمون بالمستحيل، باستنساخ إمبراطورية إسلامية بدون أدواتها السياسية، وبإلغاء السياسة وتحويلها الى «قتال أخلاقي» يصبّ عادةً في رصيد المستبد، الذي لا ينزعج السلفي من استبداده، ما دام يحمل صكوك الغفران، ويوزّع أختام الدين. المسيحي بالنسبة إلى السلفي ضيف، ثقيل أحياناً، يقبله فقط في لحظات الطيبة والسماح، ويحرقه حين يخرج عن شروط الضيافة. هل فعلها السلفي؟ أم بلطجية في زيّ السلفيّين؟ يقول السلفيون: «إنها لعبة مسيحيين أشعلوا كنيستهم من أجل أن يتجمّعوا حول سفارة أميركا ويستدعوها لاحتلال مصر». يضيفون: «إن فتنة إمبابة كشفت صدق ما قالوه عن مخازن السلاح».
الحقيقة غارقة تحت أكوام الحكايات الأسطورية، والدم، والحرق، والغضب والخوف. والكنيسة تنشر تحت الرماد أساطيرها عن الاضطهاد العمومي للأقباط، كأنها تكمل مشهد السلفيين الباحثين عن دكتاتور جديد. إنها حرب أمراء طوائف يخترعون طوائفهم في ظل صمت مريب.




انتهت قصة كاميليا وبدأت حكاية عبير




القصة نفسها تتكرر لكن بفصول عنف أقسى. هي قصة المسيحيات المتحولات إلى الإسلام أو العكس. قصة تتحوّل إلى فتنة طائفية في مصر، أبطالها اليوم أصبحوا ظاهرين إلى العلن

القاهرة ــ الأخبار
عاشت منطقة إمبابة، أكثر أحياء القاهرة الشعبية ازدحاماً، يوماً طويلاً مساء السبت، لم ينته حتى وقت متأخر من مساء أمس، والسبب شائعة خرجت في المنطقة تقول إن فتاة مسيحية من أسيوط تدعى عبير أسلمت وتزوجت بمسلم يسكن في إمبابة، وقد استُدرجت السيدة إلى كنيسة ماري مينا واحتجزها الأقباط حتى تعدل عن إسلامها.
تبدو القصة حتى هذا المشهد مألوفة، لكن غير المألوف أن تنتشر الحكاية على نطاق واسع في اليوم نفسه الذي أعلن فيه ظهور كاميليا شحاته، زوجة قس دير مواس، التي شغلت مصر قبل ثورة 25 يناير لأيام كثيرة، عندما قيل إنها تركت زوجها (القس) وأعلنت إسلامها ثم عادت إلى المسيحية تحت ضغط الكنيسة. قصة كاميليا طفت من جديد على سطح الأحداث بعد الثورة، أول من أمس، عندما أُعلن ظهورها على قناة «الحياة» التبشيرية للرد على تظاهرات السلفيين التي وصلت إلى الكاتدرائية للمطالبة بعودة كاميليا إلى ديار الإسلام.
إعلان ظهور زوجة القس صاحبه جدل كبير، إذ طالب المتشددون بظهورها منفردة على التلفزيون المصري، فيما اكتفت الكنيسة بالصمت واختارت كاميليا الظهور على قناة تبشيرية، وهي الرسالة التي فهمها السلفيون: «كاميليا عادت إلى دينها وزوجها وابنها».
انتهت قصة كاميليا لتبدأ حكاية عبير. البداية في حكاية عبير مختلفة. رجل ليس من حي إمبابة ذهب إلى أحد مساجد المنطقة، وصرخ في المصلين طالباً منهم مساعدته في استعادة زوجته التي أعلنت إسلامها واختطفها الأقباط. التقط السلفيون طرف الخيط واتجهوا إلى كنيسة ماري مينا في إمبابة مساء السبت وحاصروها، وطالبوا بتسليمهم الفتاة التي اختارت الإسلام. المفاجأة أن الأقباط كانوا في انتظارهم، ومن ثم رفضوا دخول المسلمين، على اعتبار أنه لا أحد في الكنيسة. المفاجأة الأخرى أن زوج عبير اختفى تماماً.
بدأت المعركة بين الطرفين، إطلاق نار من داخل الكنيسة بعد تهديد الحشود في الخارج بالاقتحام وتحرير عبير. زجاجات حارقة (مولوتوف) تنهال على مبنى الكنيسة من الخارج، ارتباك أمني في التعامل مع الحدث الذي بدأ يتّسع، حيث عجزت الشرطة عن السيطرة على الموقف، في ظل تزايد أعداد المسلمين والأقباط والاشتباكات التي وصلت إلى حدّ وقوع اثني عشر قتيلاً (سبعة من الأقباط وخمسة من المسلمين) وأكثر من مئتي مصاب. تأزّم الوضع، فكان الحل الاستعانة بالجيش للحدّ من ازدياد رقعة الاشتباكات، وخصوصاً أن إمبابة إحدى مناطق نفوذ الجماعة الإسلامية المتشددة.
نزل الجيش إلى أرض المعركة، وفرض طوقاً أمنياً على مداخل المنطقة ومخارجها بعد إحراق كنيسة أخرى هي كنيسة العذراء، حيث قال شهود عيان إن مجموعة من البلطجية اقتحمت كنيسة العذراء وأشعلت النيران فيها. وأعقب هذا التحرك إصدار المجلس العسكري بياناً على صفحته على موقع فايسبوك أعلن فيه اعتقال 190 شخصاً، قيل إنهم متورطون في أحداث العنف التي شهدتها إمبابة ليلة السبت، وأحالتهم على المحكمة العسكرية العليا. ورغم هذا لم تتوقف الأحداث، حيث وقعت اشتباكات ظهر أمس بين مسلمين تجمعوا أمام كنيسة ماري مينا، وأقباط صنعوا دروعاً بشرية لحماية مبان أخرى في الكنيسة لم تصلها النيران.
وفي ظل هذه الأحداث المتلاحقة، كسرت الكنيسة الأرثوزكسية حاجز الصمت، وأعلنت الحداد ثلاثة أيام على ضحايا كنيسة ماري مينا. وقالت مصادر في الكنيسة إن «جميع كنائس الجيزة ستعلن حداداً لمدة 3 أيام على ضحايا الكنيسة»، مضيفة أن «الكنائس سترفع صلواتها من أجل الحفاظ على مصر من هؤلاء الذين يريدون زعزعة أمن البلاد».
لكن الأزمة التي تواجهها الحكومة، التي دعا رئيس وزرائها عصام شرف إلى اجتماع طارئ امتد حتى ساعة متأخرة من مساء أمس لبحث تداعيات الأزمة وأرجأ من أجلها زيارته إلى الإمارات، أن الفتنة انتشرت بالفعل ووصلت إلى عدد من المحافظات، بينها الإسكندرية حيث خرج آلاف السلفيين إلى شوارع المدينة مردّدين هتافات «الله أكبر... نحن فداك يا إسلام»، في الوقت ذاته خرجت تظاهرة كبيرة للأقباط من أمام دار القضاء العالي في وسط القاهرة باتجاه حي إمبابة تندّد بما تعرّضت له الكنيستان على أيدي المسلمين وترفع شعار «السلفيين فين... الأقباط أهُم».
ورغم نفي عدد من شيوخ السلفية في إمبابة قصة وجود فتاة مسلمة في الكنيسة، إلا أن هذا لم يمنع اشتعال الموقف، حيث تجمع ما يقرب من عشرة آلاف قبطي في تظاهرة حاشدة أمام مبنى التلفزيون في ماسبيرو وردّدوا هتافات «ارفع رأسك فوق أنت قبطي»، واشتبكوا مع عدد من المسلمين، ونشبت معركة بالحجارة بين الطرفين نتج منها تحطّم عدد من السيارات.
الأحداث تشتعل والغضب يتصاعد وإمبابة لم تعد نقطة الصراع، بعدما انتقل إلى عدة مناطق في القاهرة والمحافظات، وأصابع الاتهام تشير إلى تخاذل المجلس العسكري الذي تأخر في وأد الفتنة من البداية، عندما رفض التدخل في أزمة قطع أذن مواطن قبطي على أيدي سلفيين، وعندما اكتفى ببناء كنيسة أطفيح من دون التعامل بحزم مع من أحرقوها.
قصة كاميليا شحاته زوجة قس دير مواس انتهت، ومصر تعيش الآن فصول حكاية عبير.