أي بلد يتكلم أهله العربية، وتقع فيه حيفا، يافا، بيت لحم، وعكا؟ حسناً، لنقدم القليل من المساعدة. في أي بلد تقع القدس القديمة وكنيسة القيامة ويسير فيه المؤمنون على درب الآلام التي سار عليها السيد المسيح؟ ما اسم ذاك البلد الذي تقع فيه الأراضي المقدسة؟ الإجابة ببساطة، فلسطين. اسم امتنعت مراسلة المؤسسة اللبنانية للإرسال آمال شحادة عن ذكره مباشرة، مستعيضة عنه بصياغة مداورة استفادت من المناسبة الدينية هي «الأراضي المقدسة». تنقل شحادة، وهي الفلسطينية التي فرضت عليها، كبقية الفلسطينيين من سكان «الأراضي المقدسة»، في تقريرها مراسم إحياء الفلسطينيين المسيحيين ليوم الجمعة العظيمة، واصفة ما قاموا به خلال المناسبة الدينية من طواف وسير على خطوات السيد المسيح في القدس القديمة. كل ذلك «تحت أنظار بضعة عناصر من الشرطة الإسرائيلية». يصدمك الخبر. «بضعة عناصر من الشرطة» فقط؟! فتتساءل في نفسك: متى أصبح الإسرائيلي «منيح هالقد» ليخفف من قبضة إجراءاته الأمنية التي تهدف إلى تعطيل «الجمعة العظيمة» و«تطفيش» المصلين؟ تكمل مشاهدة التقرير، وخصوصاً أن الصور التي تبثها من بيت لحم والقدس القديمة غير متاح للعين المشتاقة أن تراها يومياً. تبتسم عند تكرارها وصفها الأرض التي هُجّر منها والدك، بالمقدسة. تنتظر، عبثاً، أن تلفظ الكلمة، التسمية. تنتظر أن تنطق تلك الجوهرة. ينتهي تقرير المراسلة، وقد بدا لك أنها «نجحت» في تلافي ذكر اسم الموصوف برغم تعدادها أسماء قرى أراضي الـ48، التي طافت بها ذخائر الأم تيريزا. تنتقل إلى فضائية الجزيرة فتقع على الخبر ذاته. يبقى خبر «بضع عشرات من أفراد الشرطة الإسرائيلية» عالقاً في ذهنك. لكن مراسلة المحطة في الضفة، جيفارا البديري، هي التي على الهواء «مباشرة». وإذا بلبّ الرسالة يدور حول «الانتشار المكثف للقوات الإسرائيلية في بيت لحم والقدس القديمة». تقول المراسلة: «كانت المنطقة أشبه بثكنة عسكرية». لم رأت مراسلة «إل بي سي» أنهم بضعة أفراد من الشرطة الإسرائيلية؟ لا تفهم، لكنك تبتسم في سرّك كمن اطمئن إلى أن عدوّك لم ولن يتغير مهما حاول تصوير نفسه كذلك.

لكن يبقى السؤال عن خيارات المراسِلة. لنقل إنها ملتزمة بقاموس المصطلحات الذي حددته لها المؤسسة اللبنانية للإرسال، وإنها لم ترد ذكر اسم «إسرائيل» أو فلسطين لاعتبارات «مهنية». لكنها على الأقل كان بإمكانها ذكر أراضي الـ48 حلاً وسطاً يرتضيه الفلسطيني الذي يتابع تقريرها، وترتضيه هي التي تعيش تحت الاحتلال وتكافح، كما نفترض، للحفاظ على هويتها العربية. لكنها، للأسف، بقيت على الخيارات نفسها حتى نهاية التقرير الذي وقّعته كالآتي: «آمال شحادة، الناصرة، في الأراضي المقدسة»، لكن أين؟ الله هو العليم.