تونس | «إن الجغرافيا تاريخ ساكن والتاريخ جغرافيا متحركة»، ومن هذا المنطلق فإن إلقاء نظرة على الخريطة الجيو-سياسية اليوم كفيل بمعرفة ما يعيشه تاريخ الحاضر، وخصوصاً أن الذي يهز العالم الآن هو ثورات شعبية عربية أطاحت رؤوس أنظمة أمنيّة كانت تحكم بالقبضة الحديدية، وكانت دول الشمال تتعامل من خلالها مع دول الجنوب، بل وكانت تدعمها أمنياً قبل أن تساندها سياسياً. لعل هذا الطرح هو الذي كان يميّز طريقة التعامل الغربية، وخصوصاً الأوروبية، مع أنظمة تونس ومصر وليبيا، والتي في مجملها تمس مباشرة المصالح الجيو-سياسية التي تحكم تلك العلاقة منذ عصر الاستعمار.


على هذا الأساس، يمكن النظر إلى الطريقة واللهجة الخشنة التي استعملها رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني في التعاطي مع الحكومة التونسية في سعيه إلى علاج مسألة الهجرة السرية من تونس إلى سواحل جزيرة «لامبادوزا» الإيطالية (تبعد عن ساحل مدينة المهدية التونسية 70 كيلومتراً فقط). إذ إنه منذ نجاح الثورة التونسيّة بلغ عدد المتسللين 22 ألفاً، ما سبب مشاكل للاتحاد الأوروبي، وخصوصاً إيطاليا وفرنسا.
لكن يبقى السؤال المطروح الآن: ألم يحن الوقت لأوروبا لتغيير سياستها الخارجية تجاه البلدان العربية، وخصوصاً أن ثورتين هزتا ضفاف جنوبي البحر المتوسط أخذتا تمثّلان قلقاً متزايداً للدول الأوروبية؟
دول الشمال ظلت منذ خمسينيات القرن الماضي تمارس نوعاً من «الوصاية الثقافية» على البلدان المستعمرة سابقاً في جنوب المتوسط، حتى إن الانتفاضة الفكرية التي ظهرت فجأة من طرف ثلة من الساسة الأوروبيين في بداية الثمانينيات، وفتح باب حوار فعلي مع «الأطراف الجنوبية»، تمخض عنه «إعلان البندقية»، جاءا لتفعيل تلك العلاقة لكن ضمن نطاق مصلحي واستراتيجي.
الإعلان لم تتبنّه أوروبا من باب معرفة أوضاع الشعوب العربية بل في أعقاب أزمتين نفطيتين عصفتا بالاقتصاد الأوروبي شبه الموحد في السبعينيات، مع قطع الملك فيصل النفط عن الدول الغربية عام 1973، وبعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
الإعلان لم يعمر طويلاً، لا سيما أنّ أبرز زعماء المجتمع السياسي الأوروبي لم يكونوا راغبين فيه. وجاء سقوط جدار برلين وانفراط عقد حلف وارسو، ليفرضا على أوروبا الموحدة بداية مرحلة جديدة في العلاقات مع بلدان الجنوب، كانت فيها مطالب الاتحاد (الذي تأسس سنة 1992) من دول الجنوب سياسية وأمنية بحتة، أبرزها حماية أوروبا من الهجرة غير الشرعية، وعدم السماح بتصدير المشاكل الأمنية إلى العمق الأوروبي، مقابل مساعدات مالية كانت الأنظمة الفاسدة تستعملها في تقوية أجهزتها القمعية لتقهر شعوبها، وحماية الأسواق الاستهلاكية لفائدة البضائع والخدمات الأوروبية.
لكن تلك الاستراتيجية الأوروبية تجاه بلدان الجنوب، التي خطت في سنة 1992 ضمن «مسار برشلونة»، أدّت إلى انعكاسات سلبية، لأنها فشلت في توحيد رؤية بلدان الجنوب تجاه التهديدات المباشرة التي كانت تخاف منها أوروبا.
وعلى أنقاض مسار برشلونة أسس الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي استراتيجية جديدة للسياسة الأوروبية تجاه دول الجوار، وخرج بفكرة الاتحاد من أجل المتوسط سنة 2007، التي قبلتها دول الجنوب على مضض، وبعد جولات مكوكية للدبلوماسية الفرنسية في بلدان الحوض المتوسطي. إلا أن هذا الاتحاد سرعان ما أعلن، لكونه أسس لاعتبارات مصلحية، وجاء لوأد الرغبة التركية في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي مع تأسيس اتحاد مواز، يكون تحت إشراف أوروبا مباشرة. هذا السياق التاريخي يقود لإدراك التفكير الأوروبي، الذي يحس الآن بمدى خطورة الموقف الذي يعيشه على صعيد المصالح الجيوسياسية التي عمل الزعماء الأوروبيون على حمايتها، ولا سيما مع بداية الأزمة الليبية وإقفال «العقيد» معمر القذافي حنفية الغاز والنفط، وإشعال أسعاره في الأسواق العالمية، وتحوّل البحر المتوسط إلى طريق للهجرة السرية إلى «الجنّة الأوروبية».
هذا الطريق هو الذي قاد رئيس الوزراء الإيطالي إلى تونس. إذ إن الإيطاليين ينظرون إلى أن سيل المهاجرين غير الشرعيين يمثل خطراً على أمنهم القومي، فيما تمر أوروبا، وخصوصاً بلدان الجنوب، بأزمة اقتصادية ومالية خانقة، زاد في حدّتها انقطاع «شريان البترول والغاز من ليبيا» حيث تشتعل نار حرب بين الثوار وكتائب القذافي في هذه المستعمرة الإيطالية القديمة.
هذه الحرب، التي كانت دليلاً على هشاشة السياسة الموحدة للاتحاد، والتي بانت منذ فشل الشركاء الأوروبيين في تبنّي اتفاقية لشبونة للبناء السياسي الموحد لأوروبا سنة 2007، والشيء نفسه برز في طريقة التعامل مع أزمة الديون اليونانية التي سببت زلزال اليورو السنة الماضي.
وفي الوضع الليبي أيضاً كانت السياسة الأوروبية مبعثرة، ففرنسا ترأست حملة ضرب القذافي، في خطوة كانت إيطاليا غير موافقة عليها، ولم ترق للائتلاف الحاكم في ألمانيا.
وفق النظرة نفسها، جاءت زيارة برلوسكوني لتونس بعد شد وجذب وخلافات مع «الشركاء في الاتحاد الأوروبي» من أجل طلب مساعدتهم في التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعيّة، بعد الأزمة التي كاد أن يحدثها وزير الداخلية الإيطالي روبرتو ماروني في شهر آذار الماضي، بعدما قرر بصفة فردية إمكانية التصدي لهذه الهجرة بنشر قوات إيطالية على التراب التونسي، ما تسبب في استياء كبير في تونس.
وقبل الزيارة كانت لهجة برلسكوني متعالية، ففي مكالمة هاتفية خلال اجتماع لجمعية مقربة من حزبه، قال إنه ذاهب إلى تونس ليرى «إذا كانت هذه الحكومة، وهي ليست بحكومة قوية لأن المواطنين لم يختاروها، ستتمكن من التوصل إلى حل لتفادي المزيد من تدفقات المهاجرين».
واقترح أنه سيعرض على الحكومة التونسية ترحيل 100 تونسي يومياً، مع منحهم «دعماً اقتصادياً» لإعادة إدماجهم في بلدهم الأصل.
إلا أن تعاطي برلسكوني، في ظل غياب تجاوب من أجهزة الاتحاد الأوروبي لمجابهة الهجرة غير الشرعية، كشفت عن «الوجه الماكيافيلي» الذي يتميز به ساسة الشمال في إيطاليا في التعامل مع شركائه الأوروبيين، إذ قرر منح المهاجرين بطاقات إقامة وقتية تتيح لهم التمتع بحقوق «اتفاقية شنغين»، ما يسمح لهم بالتنقل في جميع أراضي الاتحاد، ولا سيما أنه يدرك أن وجهة غالبية المهاجرين التونسيين ستكون فرنسا، وذلك بحكم «جمع شمل العائلة»، حسب تعبير وزير الداخلية الايطالي روبرتو ماروني.
هذا التصرف يبدو أنه لم يرق لحكومة نيكولا ساركوزي، التي قررت التمركز على الحدود الجنوبية بين بلاد «الدوتشي» وجبال الألب، حيث أرجعت كل المهاجرين التونسيين غير الشرعيين إلى إيطاليا، في خطوة عدّتها روما تعدياً على اتفاقية شنغين وأسس بناء الاتحاد الأوروبي، وهو ما ساندتها فيه المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية، سيسيليا مالمستورم، في مؤتمر صحافي في بروكسيل، رداً على سؤال حول شرعية الممارسات الفرنسية، إذ قالت إن «شنغين موجودة، وليس من المسموح لكم القيام بالتفتيش على الحدود لأن ذلك قد يمكن القيام به فقط في حالة وجود تهديد خطير على الامن العام. وفي الوقت الحالي ليست هذه هي الحالة».
هذا التشنج الذي تسبّب فيه المهاجرون التونسيون، وطرق التعاطي الإيطالية معهم، جعلا فرنسا تعمل سريعاً على تفادي أزمة مع إيطاليا تبدو في غنى عنها في هذا التوقيت، خصوصاً أن باريس تقود اليوم ائتلافاً عسكرياً دولياً لكسر شوكة العقيد الليبي، انطلاقاً من قواعد إيطالية في جزيرة صقلية والجنوب الإيطالي.
لذلك لن تخرج العلاقة الأوروبية مع دول الجنوب عن نطاق رؤية الشمال للجنوب، رغم الصيحة الشعبية التي هزّت أركان الأنظمة القمعية، والمناداة بالتعامل الندّي بين دولها والشمال، وتلك الرسالة كانت واضحة في طريقة التعامل التي مارسها رئيس الحكومة التونسي الباجي قائد السبسي في استقباله لبرلسكوني، إذ لم يستطع الجانب الإيطالي إلزام تونس باتفاقية أمنية لترحيل المهاجرين السريين إلى أوروبا ومنعهم.




إحباط محاولات تسلل


تمكنت السلطات الأمنية التونسية من إحباط عدّة محاولات للهجرة غير الشرعية باتجاه السواحل الجنوبية الإيطالية، واعتقلت نحو 500 مهاجر منهم سبعة من «ثوار» ليبيا.
وذكرت صحيفة «الصباح» التونسية، أمس، أن الأجهزة الأمنية التونسية التي كثّفت عمليات مكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية بالتنسيق مع الجيش، تمكنت من اعتقال نحو 500 شخص، وإنقاذ أكثر من مائة آخرين في عمق البحر.
وأوضحت أن هذه العمليات حصلت في مناطق مختلفة من السواحل التونسية، منها عملية قبالة شواطئ جزيرة جربة التي اعتُرض خلالها مركبان كان على متنهما سبعة من «الثوار» الليبيين حسب قولهم. وأشارت إلى أن السلطات الأمنية التونسية نقلت «الثوار» الليبيين الذين تبيّن أن أحدهم مصاب برصاصة في يده، إلى ميناء «الكتف» بمحافظة مدنين الواقعة على بعد نحو 480 كيلومتراً جنوبي تونس العاصمة.
وبالتوازي مع ذلك، تواصلت عمليات البحث والتفتيش عن المفقودين من المهاجرين غير الشرعيين في فاجعتي «المحرس» و«قرقنة»، حيث عُثر أمس على سبع جثث ليرتفع بذلك عدد الجثث المنتشلة إلى 47 من مجموع 63 يرجح غرق أصحابها.
(يو بي آي)