القاهرة| عندما قرّرت الجماعة الإسلامية فصل أحد قادتها التاريخيين، الدكتور صفوت عبد الغني، ووقف عضوية الشيخ عصام دربالة في مجلس شورى الجماعة لحين التحقيق معه، برّرت ذلك في بيان رسمي بعدم الرغبة في العودة الى ما قبل مبادرة وقف العنف. وحينما قدّم مهندس مبادرة وقف العنف، كرم زهدي، ومسؤول شؤون التنظيم، ناجح ابراهيم، استقالتيهما من الجماعة كان السبب المعلن إعادة الهيكلة وإتاحة الفرصة أمام القيادات الوسطى لقيادة التنظيم في المرحلة المقبلة. هذا هو المعلن، أما الخفي في ما جرى داخل الجماعة المعروفة بسرية تنظيمها، فهو حالة انشقاق واضحة بعد ثورة عدد كبير من أعضاء الجماعة على احتكار نحو ثمانية أفراد في التنظيم مجريات الأمور، وانفرادهم باتخاذ القرار من دون الرجوع الى الأعضاء.

البيان الصادر عن الجماعة بخصوص إقالة عبد الغني كان شديد اللهجة، وحمل اتهامات واضحة من شأنها إعادة عبد الغني، أحد المتهمين باغتيال رئيس البرلمان الأسبق رفعت المحجوب، الى السجن. إذ قال إنه: «ثبت بالدليل القاطع سعي قلة من الجماعة للعودة إلى فكر ما قبل مبادرة وقف العنف، ومحاولة تحويل فكر الآخرين إلى مرحلة ما قبل المبادرة عن طريق عقد لقاءات مع عدد من الإخوة، وحثهم على ترك فكر المبادرة»، وهو ما دعا القيادي السابق إلى وصف البيان بأنه «سقطة أخلاقية»، المقصود منها إزاحته من طريق البعض، بعد مطالبته بإجراء انتخابات واختيار قادة جدد يتعاطون مع المتغيرات الطارئة على الساحة المصرية في الفترة الحالية.
حالة الاحتقان داخل الجماعة قديمة، تعود الى تاريخ طرح مبادرة وقف العنف عقب مذبحة الأقصر في عام 1997، حيث رفضها قطاع واسع من شباب الجماعة، ورآها التفافاً واضحاً على مبادئ التنظيم ودوراناً على الشريعة الإسلامية. وتجدد هذا الاحتقان بعد الإفراج عن كرم زهدي وناجح ابراهيم واستمرار اعتقال آخرين، وهو ما وصف بالصفقة بين بعض القادة والنظام السابق، وتأكد هذا الحديث عقب الإعلان عن الأموال التي تلقاها القياديان من الدولة، في إطار ما سمّي بفتح صفحة جديدة والاندماج في المجتمع، فيما حرم آخرون من هذه العطايا.
لم يذكر بيان الجماعة كيف انقلب عبد الغني على مبادرة وقف العنف، ولم يُحقّق معه في الاتهامات الموجهة إليه، واكتفى ستة من أعضاء مجلس شورى الجماعة بإصدار قرار الإقالة والاستغناء عنه، في سابقة لم تحدث مع أي من قادة التنظيم منذ إنشائه، وما يؤكد أن الجماعة تمرّ بمنعطف خطير يهدّد كيانها. هذا ما صرح به عضو مجلس شورى الجماعة طارق الزمر، تعليقاً على البيان، إذ قال «فوجئت به ولم أشارك في أي اجتماع تنظيمي لمجلس الشورى، وهذا البيان قد يتسبب في إحداث ثورة داخل الجماعة، ولا أستبعد وجود قوى تريد إثارة البلبلة داخل التنظيم».
هذه القوى من داخل الجماعة وتريد العودة بها الى المربّع الصفر، وخصوصاً بعد إعلان قرب وصول ما يقرب من 3000 قيادي من الجماعة الى البلاد خلال أيام بعد رفع أسمائهم من قوائم منع الدخول، مع العلم أن هؤلاء القياديون موجودون في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك والصومال وكينيا، وبعضهم في إيران ولندن.
وتعمل الجماعة عقب تنحّي الرئيس السابق على تسوية الموقف القانوني لمن صدرت بحقهم أحكام قضائية بالإعدام، عن محاكم عسكرية، حتى يتمكنوا من دخول البلاد بعد رفع أسمائهم من القوائم. ومن أشهر قادة الخارج أسامة رشدي، المقيم في لندن، وحسين شميس، المدان فى قضية محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في أديس أبابا، ومحمد شوقي الإسلامبولي، شقيق خالد الإسلامبولي، وكلاهما رهن الإقامة الجبرية في إيران.
حاولت الجماعة خلال اليومين الماضيين، على لسان قياداتها العليا رأب الصدع المتزايد فى جدار التنظيم، والتذكير بأن المصلحة تقتضى تجاوز الخلاف «العارض» ووقف التراشق الإعلامي بين القادة، بما يحقق التماسك وتأكيد أن العودة الى ما قبل مبادرة وقف العنف مستحيلة، أما الشباب فلسان حاله يقول «نريد تغيير القيادات».