تبسّــــم


«الطائرة في السماء تحمل الأحبّاء وتمضي. لا ترانا، ونراها كالنجم المنطلق. لماذا نراها عادةً فوق البحر؟
عندما تلتقي لا تكن لطيفاً. لا تكن كأنك والأحبّة وحدكم. ما زلت تعاني من أمس حيث كنت لطيفاً مع أرضك والقادمين، فدخل الأعداء وبقوا وأخرجوك أنت.

ما زلت تعاني من أمس عندما كنت لطيفاً مع هؤلاء خارج منزلك. وأدركت النتائج: مجازر بحقّك في كلّ مكان وأنت خارج المكان، وطعن بجثّتك التي لا تنام. فالجبّار هذا يبدو ساكناً هامداً، لكنك تعلم أنه يولد مع كل شروق شمس أو غيابها. ليس سراً أنني أحب حبيبتي ولا أشاطر هذا الحب أحدا. ليس سرّاً أن الفلّاح يعشق الأرض وأن غسان وناجي وكارلوس وأبو جهاد وكوزو أوكاموتو وغيرهم كثر، أحبّوا الأرض ورفضوا ما يسمّى المنطق. ليس سرّاً أنني أراسل نفسي ما تبوح به. ليس عجيبا إن بدا سلوك الفلسطيني نفسه أينما كان. ليس سرّاً أن العالم يدرك فلسطين وحقيقة الكيان الغاصب. سقطت أسطورة صغير الحجم الذي ينتصر على الجبّار. سقط ذلك التعاطف الكريه. فنحن ما نحن عليه. نكرم الضيف وعند التعدّي على أحبائنا نقدّم أنفسنا قرباناً لأرضنا في ساحات المعركة وفرساناً وفارسات يعودون منتصرين ومنتصرات، جاهزين وجاهزات أبداً للجولات الآتية. أطلقوا علينا ما شئتم من أسماء، فنحن ما نحن، هناك روحنا فلسطين. وهناك تحتاج الأرض لناسها. ألا تسمعونها تنادينا عند كل مطر وعند كل حصاد؟ عند كل شروق وغياب؟ ألا تسمعونها تصرخ رفضاً لتلك الأسماء الغريبة التي تطلق عليها غصباً وهي لم تلدها؟ فالأرض تلد اللغة مثلما تلد المقاتلين والأحبّاء». هذا ما قاله لي المقاتل، ثم وشوَش نفسه وقال:
«وفي الحرب لا تغضب، فعندما تزرع الغضب الأعمى؛ تحصدها فاشلة الأهداف. تزرع الهدوء الأسمى؛ تحصدها ناجحة الخطوات، وتباعاً الأهداف أيضاً. التناقضات واضحة وظاهرة الملامح وسحرها خدّاع. فالأقرع الذي يعدّل شعره لا يعدّل شعراً بل شعوراً.
والسماء عندما تمطر في آب، لا تمطر برداً أو صقيعاً بل حَراً ولهيباً. ولمن قُتل مراراً ثمّ عاش: لماذا لا تجمعها مثل جبال من رمال في الصحراء. قد تزول يوماً، لكنّها علامات فارقة مثل البعض، كانوا وبقوا بعد الرثاء.
وفي الحرب أيضاً تبسّم. ما زالت تحمل بارودتك التي فرغت من الرصاص، لا تيأس ولا تحزن. ولا تحسب حساباتك بالهجري أو الميلادي أو أي من تلك السخافات.
فللبارودة وقت آت، ودفء وامتلاء، لا يمليه نظام أو تقويم أو حساب».
شاهد عيان - مخيم برج البراجنة

■ ■ ■

قد تبسّــــم


«تلك العيون التي تقاتل الرصاص لا تموت. تمتصّ الحياة من كل رصاصة تخترق جسداً بغية سلبه حياته، وتنطلق الى الأبد، لتعطي روح مقاتل قديم جسداً جديداً وثورة جديدة!». ظلّ يردّد لنفسه ولمن معه، لا بدّ من أن يستمرّوا، وأن يستمدّوا القوة من أي مكان ممكن، من الغائبين والشهداء، ولو من بطونهم الفارغة. مررنا بتونس البارحة، اليوم القاهرة، ربما بيروت غداً، ومن يدري، فقد يصدق المثل القائل «الحبل ع الجرار». هو أيضاً لم ينم، ظلّ يراقب نجماً هاوياً، ويسأل نفسه، لو تمنّى أمنية ما فهل حقّاً تتحقق؟ لكنه لم يتمنّ شيئاً، قرّر أن يتوقف عن التمني ويبدأ بالعمل لتحقيق أحلامه التي بلغت من العمر عتيّاً.
قبل اليوم لم يكن مؤمناً، لكنه لم يفعل شيئاً سوى الصلاة والدعاء والبكاء. اليوم قرّر أن يؤمن بنفسه، بالثورة والتغيير، بأنه إذا أراد شيئاً يمكنه أن يجعل منه حقيقة لو أراده فعلاً، فما عليه إلّا أن يبدأ، قرّر أن يتوقّف عن الصلاة ويبدأ بالعمل. قتلوه مراراً، لكنّه لا يموت، عمره أطول من موتهم. كان يشاهدهم كل مرة يقتلونه، ثم يُبعث من جديد، ليشاهد موته مرة أخرى. اليوم قرّر أن يعيش إلى الأبد، أن يقتلهم إذا حاولوا إيقافه، أن يشاهدهم وهم يطعنون جثته المعلقة على صفحات التاريخ مرّة تلو مرة، فيضحك ويقاتل متبسماً. التحرير هو هدفه والثورة طريقه، وكل أمر آخر لم يعد يعنيه!
أمّا أنا فأتحدث عنه كأنه بطل خيالي، أو شخصية أسطورية من حلم ورديّ ما، لكنّه واقعيّ الى أبعد حدّ، يسكن في كل واحدٍ فينا، يسكننا أحياءً وأمواتاً، يقظين ونياماً، فرادى وجماعات وأمماً، فحقيقة الأمر أنّه نحن.
«عمر الدول أطول من عمر الناس»، كانوا يلقّمونها للناس سابقاً، يطعمونهم الخوف والجوع، يملأون بطونهم جوعاً وأفواههم خوفاً. من اليوم فهموا جميعاً، كل أولئك الذين يكونونه مجتمعين، أنّ «عمر الرجال أطول من عمر الدول»، لأنّ «عُمر الشعوب أطول من عمر حكامها»!
لم أره يبتسم منذ الأزل، لكني الآن أرى ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه، ابتسامة بدأت في تونس، وانتقلت الى القاهرة، وربما، من يدري..
أنهار حجازي - الجليل