الجزائر| حال استنفار أمني قصوى تعيشها الجزائر العاصمة هذه الأيام خوفاً من عواقب مسيرة ينوي حزب «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية» «الأرسيدي»، برئاسة سعيد سعدي، تنظيمها اليوم، متحدياًَ عدم ترخيص وزارة الداخلية لها، على خلفية حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد منذ عشرين عاماً، وقانون منع المسيرات في العاصمة.

سعدي يصرّ على تحدي السلطة وتنظيم هذه المسيرة تحت شعار «مسيرة المواطنة». بدأ توزيع المنشورات ومحاولة حشد التشكيلات السياسية والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية منذ أسبوع. المسيرة تتلخص مطالبها ظاهرياً بإطلاق سراح الموقوفين في الاحتجاجات الأخيرة التي عرفتها الجزائر هذا الشهر، وسميت ثورة «الزيت والسكر». لكن هدفها الباطني بحسب المتابعين يتمثل في استغلال الوضع لزعزعة البلاد وإطاحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، على غرار ما حدث للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. سعدي يعرف جيداً طبيعة المجتمع الجزائري إذا تعرّض أحد المتظاهرين للضرب من قوات الأمن. فالمسيرة ستكون فرصة للتعبير عن أشياء كثيرة يضيق بها الجزائريون، كالبطالة وضعف القدرة الشرائية والمحسوبية والرشوة وسرقة المال العام ونهبه. المدير العام للأمن الوطني أراد تفويت الفرصة على رئيس «الأرسيدي». أعطى تعليمات صارمة للشرطة للتحكم في النفس وتفادي المواجهة مع المواطنين، ليس خلال المسيرات فقط، بل وخلال الأيام العادية الأخرى. كذلك أغلقت جميع الطرق المؤدية للعاصمة لمنع الدخول إليها من باقي الولايات.
ولأن سعيدي لا يحقق الإجماع الوطني، فإن مختلف التشكيلات السياسية وأحزاب المعارضة رفضت المشاركة في المسيرة، ليس لعدم مشروعية مطالبها أو خوفاً من تبعاتها، بل لأن الأحزاب تجد سعيدي فاقداً للصدقية ويحاول دائماً انتهاز الظروف واستغلالها لزرع البلبلة والفوضى. وقال الناطق الرسمي باسم حزب «العمال» المعارض إن «الجزائر ليست بحاجة إلى استيراد الثورة البرتقالية لأننا حزب مسؤول تهمّه السيادة الوطنية والمصلحة الشعبية». التوجه ذاته تبنته «الجبهة الوطنية» المعارضة، برئاسة موسى تواتي، رغم تطابق وجهات النظر في العديد من القضايا التي يثيرها سعدي كإحداث التغيير وترسيخ الديموقراطية وفتح الصرح الإعلامي. أما الأحزاب الكبرى في الجزائر، فإنها موالية للسلطة كـ«الأفلان» و«الأرندي» و«حمس» ولا يمكنها أن تسير ضد التيار.
تحركات «الأرسيدي» وتخوفات السلطة تأتي في وقت بدأت تفوح فيه رائحة التغيير في المنطقة المغاربية، بعدما غيرت الإرادة الشعبية في تونس حكماً دام ثلاثة وعشرين عاماً من الاستبداد. الجزائر تتقاسم مع تونس معطيات عدة وعوامل تساعد روح التغيير وتغذيها. فبوتفليقة يرأس البلاد منذ عام 1999. وعلى غرار حزب التجمع الدستوري في تونس، فإن الحزب الحاكم في الجزائر وصاحب الغالبية هو حزب جبهة التحرير «الأفلان»، الذي يعود إلى الفترة الاستعمارية. كذلك فإن الإعلام في الجزائر بيد السلطة، حيث يغيب صوت المعارضة.
أما الاختلاف فيكمن في المقومات الاقتصادية التي تزخر بها الجزائر والذهب الأسود الذي ترقد عليه أرضها، خلافاً لتونس ذات الثروات المحدودة، ما لا يبرّر الوضع الاجتماعي الراهن في الجزائر. نقطة الخلاف القصوى بين الشعبين تكمن في أن تونس هذه المرة تبنت أول ثورة تغيير حقيقية انقلب فيها الشعب على حاكمه. أما الجزائر، فقد قادت الثورة نفسها في الثمانينيات وحصدت ثمارها في التسعينيات. لكن الفرحة لم تكتمل، وجاء الإرهاب ليدمر كل شيء طوال عشرين عاماً، ما جعل عقلية شباب البلدين تختلف من حيث الأسلوب المعتمد في التظاهر والشعارات المرفوعة، لأن جيل الجزائر الجديد خرج من رحم أزمة الإرهاب والدم والدمار لينشأ نشأة غير متوازنة نفسياً. وزادته البطالة ونقص التحصيل العلمي تدهوراً. أما الشباب التونسي، ورغم الضغوط، فيمكن أن يصنف في خانة النخبوية. أكبر دليل على ذلك الجرأة والقدرة على إيصال أفكاره.
وفي السياق، يرى أحد علماء الاجتماع في الجزائر أن بإمكان الحكام تفادي كل هذا باحترام الإرادة الشعبية والتنازل عن السلطة سلمياً للأجيال الصاعدة، والحفاظ على ثروات الشعب والاستفادة من الدرس الذي لقّنه الشعب التونسي للجميع، بدلاً من التخوف من دخول عدوى الثورة التونسية إلى الجزائر.